تيسير الغوطي
لا شك ان الزمن الذي تعيشه فلسطين هذه الايام هو الاصعب في تاريخ قضيتها منذ نشأتها قبل قرن من الزمان ، ففضلا عن التغول والتطرف الصهيوني المدعوم بالقوى الاستعمارية وأكثرها ظلما وفسادا واستكبارا في الارض وفي مقدمتها الشيطان الأكبر أمريكا بزعامة المحافظين الجدد المنتمين للفكر المسيحي الصهيوني ، الأكثر دعما للكيان الصهيوني من اليهود أنفسهم، هناك تخل عربي واسلامي من قبل الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والاسلامي نتيجة اهتمام هذه الأنظمة بمصالح زعمائها الشخصية الأمر الذي قادها إلى مزيد من الصراعات فيما بينها، وما ترتب على ذلك من انشغال هذه الأنظمة بنفسها واهدار لمقدرات وثروات بلادها وشعوبها، والأخطر من ذلك تبدل وتغير قائمة الاعداء والاصدقاء بحيث انتقل الكيان الصهيوني من رأس قائمة أعداء الأمة إلى أحد أصدقاء هذه الأنظمة الحاكمة بل وأهم حلفائها في معاركها الوهمية المصطنعة ، وأضحت مقاومة هذا الكيان والتصدي لجرائمه في نظر هذه الأنظمة إرهاباً وجريمة يستحق ممارسها الملاحقة والقتل والاعتقال، بعدما كانت بطولة وشرفاً وجواز سفر لرضا الرحمن والفوز بالجنة.
هذا التراجع والتخلي العربي الرسمي (الأنظمة والحكام) عن التصدي للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني ومقاوميه وتجريم جهادهم وكفاحهم ، بالاضافة إلى الدعم الغربي اللامحدود خصوصا الأمريكي، سمح للكيان الصهيوني بممارسة وارتكاب كل الجرائم اللاانسانية بحق فلسطين الجغرافيا والتاريخ والانسان والمقدسات ، بدءا بسرقة واغتصاب الأرض الفلسطينية تحت عنوان الاستيطان، مرورا بالقتل والاغتيال والاعتقال للإنسان الفلسطيني ، وتدمير البيوت والممتلكات ، وتهويد المقدسات وتزوير التاريخ ، وليس انتهاءً بتجريم الضحية (الفلسطيني) لإجباره على التنازل عن حقوقه وثوابته ومقدساته والاعتراف بها حقا خالصا للصهاينة.
هذه الأجواء الصعبة في تاريخ القضية الفلسطينية شجعت الكيان الصهيوني أيضا للإقدام على ممارسة جرائمه الأخيرة بحق المسجد الأقصى المبارك ، فمن الاقتحامات المتكررة لباحاته والتفتيش الانتقامي لأماكنه وزواياه، إلى تكسير الأبواب والبوابات داخل حرم المسجد, إلى التفتيش المهين للمصلين وفرض قيود عمرية على الوافدين إليه, بعد منع اهل الضفة الغربية لخفض عدد المصلين فيه ما أمكن، وصولا إلى إغلاقه ومنع الصلاة فيه ورفع الأذان للمرة الأولى منذ احتلاله عام 1967، ثم وضع البوابات الالكترونية على مداخله لارهاب القادمين إليه بالتفتيش المذل والمهين.
في ظل هذه الاجواء المظلمة والمرعبة والحديث عن صفقة القرن برعاية الشيطان الأكبر لتصفية القضية الفلسطينية وتوزيع فلسطين الجغرافيا والتاريخ والانسان غنائم بين المجرمين بحقها، يخرج المقدسيون كما العنقاء من تحت ركام الاجراءات القمعية الصهيونية وركام التخاذل العربي والفلسطيني الرسمي، ليعيدوا توجيه البوصلة نحو القدس والأقصى بعدما انحرفت عنهما بسبب من مصالح وشهوات الأنظمة الحاكمة وزعاماتها الرسمية، يتقدمون بالاحتجاجات والمسيرات رفضا للاجراءات الصهيونية بحق الاقصى والمقدسات ، يتقدمون بالصلاة في الشوارع وفي العراء وخارج بوابات وأسوار الاقصى ليؤكدوا حقهم في مقدساتهم، يتقدمون بعملياتهم الجهادية النوعية ومن خلفهم أبناء فلسطين كل فلسطين ليؤكدوا استعدادهم للدفاع عن الأقصى والمقدسات بالغالي والرخيص، يتقدمون بوعيهم الديني والتاريخي لتأدية واجبهم نحو أقصاهم ومقدساتهم بغض النظر عن الآخرين عربا كانوا أو فلسطينيين رسميين ممن آثروا الركون إلى الجنب الصهيوأمريكي طمعا في السلامة وتحقيق المصالح، يتقدم المقدسيون ويؤكدون:-
أنهم ومن خلفهم الشعوب العربية والاسلامية متقدمون في الفهم والوعي بطبيعة هذا الكيان الصهيوني وأهدافه عن زعاماتهم وقياداتهم الرسمية في الأنظمة الحاكمة، ولعل من أهم أسباب ذلك أنهم ينتمون للجغرافيا والتاريخ والمقدسات ، بخلاف القيادات والزعامات الحاكمة التي تنتمي إلى المصالح وشهوات السلطة والمال.
أنهم فقدوا الثقة في القيادات والزعامات الحاكمة في أن تعيد لهم حقا مسلوبا أو تحفظ لهم كرامة مهانة، فتركوا السير وراءها وتقدموا بوعيهم وأجسادهم لأخذ حقهم والدفاع عن أرضهم ومقدساتهم.
أن المسجد ألأقصى والمقدسات خط أحمر دونه كل ما يملكون من مال ووقت وأنفس، فهو لا يمثل فقط معلما ومقدسا دينيا فقط ، بل ورمزا وطنيا ووجوديا أيضا، لذا يهب للدفاع عنه كل المقدسيين مسلمين ومسيحيين ، رجالا ونساءا، شيوخا وأطفالا.
ان الكيان الصهيوني هو العدو الأول لفلسطين والفلسطينيين والمقدسات، وأنه سيبقى كذلك، ولن يتخلى عن جرائمه واجرامه بحق الأرض والانسان والتاريخ عن طيب خاطر ولأجل عيون الذين يهرولون خلفه مهما كانت الأسباب والدواعي لذلك.
أن الرد الحقيقي على جرائم الكيان الصهيوني بحق الأقصى والمقدسات ومن قبل ذلك بحق فلسطين الجغرافيا والتاريخ والانسان هو فقط بالمقاومة والجهاد, أقصر الطرق للعزة والكرامة ، خاصة بعد فشل المفاوضات العبثية معه من قبل الرسميين والتي امتدت على أكثر من عقدين من الزمان. أمام هذه الأعمال المفخرة للمقدسين الأبطال، فإن على الجميع خاصة الفلسطينيين على اختلاف مواقعهم وأماكنهم أن يقدموا كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي للمقدسيين كي يستمروا في جهادهم ومقاومتهم وتصديهم لبطش الكيان الصهيوني وجرائمه، وفي نفس الوقت مشاركتهم في هذا الجهاد والمقاومة كل حسب موقعه وقدراته، وهنا لا يمكننا إلا أن نذكر بكل الفخر و الاعتزاز البطل عمر العبد منفذ عملية حلميش، الذي حركته أحداث الأقصى لينتفض منتصرا له، مطالبين الجميع الاقتداء به والسير على إثره المبارك.


التعليقات : 0