تيسير الغوطي
في العشرين من شهر فبراير الماضي أطلق جنود الاحتلال النار على سيارة فلسطينية بالقرب من دير دبوان بالضفة الغربية شرقي رام الله المحتلة، فأصابوا أحد الركاب وهو الفتى محمد صرمة ذو الخمسة عشر عاما واعتدوا بالضرب على الثلاثة الباقيين بعدما تم إيقاف السيارة، وكالعادة إدعى جنود الاحتلال أن السيارة كانت تحاول دهسهم بعدما اقتربت منهم ، واسدل الستار على الحادثة ، حتى جاء الخبر من داخل الكيان الصهيوني بكشف الحقيقة و تكذيب رواية الجنود الصهاينة ، فقد كشف مركز المعلومات الصهيوني لحقوق الانسان في الاراضي المحتلة ( بتسليم ) في تقرير له صدر الاحد 29/3/2020 بأنه لم تكن هناك عملية دهس مطلقا ، بل كانت هناك مركبة عسكرية اسرائيلية تسير في الاتجاه الخاطئ من الطريق ، والذي كانت تسير فيه السيارة الفلسطينية ، وعندما اقتربت منها حاول السائق الفلسطيني تلاشي الاصطدام بالسيارة العسكرية فانحرف عن الطريق لكنه اصطدم بصخرة على جانب الطريق فتوقفت السيارة ، وأن الجنود أطلقوا النار على السيارة وأصابوا الفتية الفلسطينيين وضربوهم، ثم زعم الجنود أن السيارة كانت تحاول القيام بعملية دهس لذا فقد أطلقوا النار عليها .
وفي تعليقه على الحادثة ونتائج تحقيقاته بوقائعها أكد المركز أنها تظهر مجددا كيف يقوم الجيش وبسهولة ماجنة بإطلاق النار على الفلسطينيين ، ثم يسارع بعد ذلك بالتبرير بأعذار واهية, وأضاف « لقد تصرّف أفراد الجيش بانفلات منذ البداية: بدءًا من إطلاق النار على الفتى محمد صرمة وإصابته، مروراً بضرب الفتية الآخرين وانتهاءً باحتجازهم بذرائع واهية طيلة ساعتين، دون أن يُبلغ آباؤهم بأيّ شيء, وإن المزاعم المتعلقة بالاشتباه في عمليّة دهس التي برّر الجيش بواسطتها إطلاق النار تناقض وقائع هذه الحادثة: أوّلاً أُطلقت النيران على السيّارة من الخلف، وثانياً أُخلي سبيل الفتية في اللّيلة نفسها، ثمّ إن الجيش والمخابرات منذ اليوم التالي تخليا عن وصف أيٍّ من الفتية بأنه مشتبه به بمحاولة تنفيذ عمليّة دهس».
حادثة دير دبوان ليست الوحيدة في مسلسل الاحداث والصدام مع المحتل الصهيوني وبالتأكيد لن تكون الاخيرة، فعشرات الاحداث سبقتها على امتداد الوطن الفلسطيني خاصة في مناطق الضفة الغربية، والتبرير دوما اما محاولة طعن او دهس لتبرير اطلاق النار وقتل الفلسطيني بلا فرق بين كونه شابا او طفلا او حتى امرأة، وهذا ما يعكس ويؤكد لنا الحقائق التالية :
1_ الوجه العنصري الاستكباري الدموي المتأصل في الكيان الصهيوني أفرادا وقيادات وحتى نظام حكم وقضاء، هذا الوجه الذي يظهر في الافراد حينما يسارعون لاطلاق النار بهدف القتل لأتفه الشبهات وليس الاسباب ، ليشبع غريزة القتل المتأصلة في نفسه العنصرية العدوانية، والتي غذتها التربية والافكار الاستعلائية للذات والدونية للاخرين (الاغيار)، ويظهر في القيادات حين تسارع في تبني أراء واقوال الجنود وتعمل على تسويقها دون محاسبة لهؤلاء الجنود، ويظهر هذا الوجه العنصري في نظام الحكم والقضاء حين لا تحاول هيئاته المختلة البحث عن الحقيقة وانصاف المظلوم ومعاقبة الظالم والمعتدي، بل تعمل على اخفاء تلك الحقيقة وطمسها وتبرئة الجنود، او تخفيف العقوبة الى الحد الادنى حينما تكون الشواهد والدلائل واضحة وصعب انكارها.
2_غياب الشفافية متأصل في الكيان الصهيوني فكرا وعقيدة وممارسة وسلوكاً، خاصة اذا كان الامر يتعلق بالاخرين (الاغيار)، ولاسيما اذا كان هذا الاخر فلسطيني مسلم، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على كل الروايات الصهيونية للاحداث التي تقع ضد الفلسطينيين ، وقبل ذلك للروايات الصهيونية التى تؤكد حق الصهاينة في أرض فلسطين ومقدساتها جغرافيا وتاريخيا، والتي حاول ويحاول الكيان الصهيوني دوما تسويقها عبر العالم لكسب تعاطف ودعم شعوبه لصالح رؤيته للصراع في فلسسطين، ولو أدى الامر به لقلب الحقيقة رأساً على عقب، كما حدث عندما دبلج صورة الشهيد محمد الدرة بإلباسه القلنسوة اليهودية، وسوق طريقة اعدامه اللانسانية على أنها جريمة ارتكبها الفلسطينيون بحق طفل يهودي .
3_ضعف الطرف الفلسطيني (وفشله) في كشف زيف الرواية الصهيونية للاحداث وتسويق الرواية الحقيقية له، سواء هذا الضعف ناتج عن قلة الخبرة والامكانيات ومتابعة الاحداث، او كان ناتجا عن عدم رغبة في الاصطدام في الكيان الصهيوني ومؤسساته المختلفة ذات الصلة بالحدث حفاظا على المصالح الشخصية والامتيازات للطبقة المنتفعة بعلاقة الود مع الكيان الصهيوني، أليس من المعيب أن الذي فضح الادعاء العسكري الصهيوني في حادثة دير دبوان هو مركز صهيوني (بتسيلم).
4_غياب ردة الفعل الفلسطيني الرسمي على مثل هذه الاحداث، ذلك الفعل المطلوب كي لا يتجرأ جنود الاحتلال ومستوطنوه على تكرارها ، وفي نفس الوقت يحقق الثأر والانتقام للظلم الواقع على الفلسطيني ويرد الاعتبار إليه، والادوات لتحقيق ذلك الفعل كثيرة لكنها بحاجة الى ارادة للاستخدام والتطبيق.
أمام هذه الحقائق فإن الواجب يحتم علينا في مثل هذه الحالات رفض كل الروايات الصهيونية بخصوص أحداثها ووقائعها، والعمل الجاد على تسويق الرواية الحقيقية التي تظهر مدى عنصرية وإجرام الكيان الصهيوني أفرادا وقيادات ومؤسسات حكم ونظام، والسعي الحقيقي لمحاسبة الجنود وكل المتورطين في جريمة دير دبوان وكل الجرائم المشابهة، ورد الاعتبار والحقوق لضحايا تلك الاحداث والجرائم، واستخدام كل الادوات والاوراق التي يملكها الفلسطيني للضغط على الكيان الصهيوني ومنها وقف التعاون والتنسيق مع الكيان الصهيوني خاصة الأمني منه لتحقيق تلك المحاسبة ورد الاعتبار، وتبقى الورقة الأهم المقاومة لأنها الأقدر والأمضى في تحقيق الانتقام والثأر لكل الشهداء والجرحى والاسرى جراء حادثة دير دبوان وكل الاحداث المشابهة، وفي نفس الوقت هي الأقوى والأمضى في ارغام الكيان الصهيوني على دفع ثمن جرائمه ومجازره بحق الفلسطينيين من أمنه واستقراره وأرواح جنوده ومستوطنيه، وترغمه على التخلي عن ارتكاب هذه الجرائم والمجازر، وصولا إلى الرحيل عن أرضنا ومقدساتنا إن شاء الله.


التعليقات : 0