كورونا وإفلاس الحضارة الغربية - تيسير الغوطي

كورونا وإفلاس الحضارة الغربية - تيسير الغوطي
أقلام وآراء

فيروس كورونا الذي إجتاح العالم – وما زال – كشف الحقيقة والحقائق التي كانت مغيبة عن أعين الكثيرين تحت سطوة البهرجة المادية التي جاءت بها الحضارة الغربية والنظام الرأسمالي الذي تحاول عبره الدول الاستعمارية الكبرى أحكام سيطرتها على الشعوب الفقيرة في دول العالم المختلفة ، كي يزداد ثراء الطبقة المسيطرة من الشركات ورؤوس الاموال ، وبهذا يقدم فيروس كورونا إيجابية بجانب آثاره السلبية الكثيرة , تتمثل في كشف الحقيقة المتمثلة في إفلاس الحضارة الغربية لأن تكون قائدة للعالم والبشرية نحو السلام والعدل والمساواة  وكافة الشعارات التي رفعتها لتبرر تدخلها الفج والظالم في الدول الاخرى خاصة  الفقيرة والضعيفة منها ، ليبحث العالم- بعد انتهاء أزمة كورونا – عمن يملك المؤهلات الحقيقية لقيادة العالم والبشرية ، والتي تحقق شعارات العدل والسلام والمساواة واحترام الانسان وحقوقه عملا على الارض وبين البشر ،لا قولأً بشعارات جوفاء ينضح بها الاعلام ومراكزة الضخمة والمنتشرة عبر العالم ويسيطر عليها رؤوس الاموال من أثرياء وشركات عابرة للقارات.

إفلاس الحضارة  الغربية  وعدم قدرتها على امتلاك المؤهلات الحقيقية لقيادة العالم تمثل بوضوح في عديد من مواقف وتصرفات الحكومات الغربية الرأسمالية خاصة الكبرى منها مثل الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية , ومن هذه المواقف والتصرفات تقديم الاقتصاد والاسهم والشركات وأوضاع بورصات المال على حياة الاشخاص, وكان هذا واضحاً في خطاب ومواقف الرئيس الأمريكي ترامب الممثل  الأول للرأسمالية و الحضارة الغربية بصفته رئيساً للدولة العظمى الاولى في العالم ، ومنها ان المتضرر الأول و الاكبر من فيروس كورونا - و كل الامراض الاخرى – الفقراء والمشردين الذين بالكاد يحصلون على قوت يومهم من الطعام ، فلأنهم لا يملكون المال لا يحق لهم الحصول على العلاج و الخدمات الطبية اللازمة ، والتي يحصل عليها من يدفع المال ، فمعظم – ان لم يكن كل – المؤسسات الصحية مؤسسات خاصة تقدم خدماتها مقابل المال ، و لعل الصراع الذي حصل بين الرئيس  الامريكي السابق اوباما و ادارته و الرئيس الامريكي ترامب و ادارته حول مشروع اوباما كير الذي نفذه الرئيس اوباما ، وانتهى الصراع بإلغاء ترامب لكل القرارات ذات الصلة بمشروع اوباما كير ، مما يعني حرمان اكثر من اربعة عشر مليون امريكي من الرعاية الصحية المجانية ( التامين الصحي ) ، كما ان أكثر المناطق انتشاراً للفيروس هي مناطق الفقراء والاقليات و خاصة السوداء في الولايات المتحدة الامريكية ، كما كشف انتشار الفيروس ضعف المنظومة الصحية من مستشفيات و طاقم طبي ومستهلكات طبية .... الخ ، رغم تقدم تلك الدولة وامكانتها العلمية و المالية .

كذلك يتجلى افلاس الحضارة الغربية و قيمها المرتكزة على الرأسمالية واللبرالية في شكل العلاقات و التعاون بين دولها، فهذه الدول لم تقم بالواجب الملقى عليها للتعاضد و التكاثف فيما بينها ، فها نحن نرى الاتحاد الأوربي لم يقم بواجبه تجاه اعضائه لا من حيث التضامن الصحي حيث بخلت الدول الاوربية بتقديم المساعدة الصحية و الطبية للأعضاء الاكثر تضرراً  مثل ايطاليا و اسبانيا ، و لا من حيث التضامن المالي الرمزي بتقديم المساعدات النقدية للدول الاكثر تضرراً ، و لا من حيث التضامن المعنوي ، لاسيما بعدما أغلقت الدول الاوروبية حدودها عن بعضها البعض دون أي تنسيق بينها أو توجيه من المفوضية الاوروبية ، و كذلك الحال بين الدول الاوروبية و أمريكا .

ويتجلى افلاس الحضارة الغربية و قيمتها في تلك القرصنة التي مارستها أمريكا معتمدة على قوتها وسطوتها العسكرية للاستيلاء على المستهلكات الطبية اللازمة لمواجهة انتشار فيروس كورونا ، فقد قال السيناتور في حكومة برلين اندرياس غيبسل في بيان له في 3/4/2020 ان الولايات المتحدة استولت على مئتي الف كمامة طبية بالعاصمة التايلندية بانكوك ، كانت قد اشترتها ولاية برلين لمواجهة وباء كورونا ، فيما قالت رئيسة اقليم ( ايل دفرنوس ) ان الامريكيين حصلوا في الانفاس الاخيرة على شحنة كمامات صينية كانت قد طلبتها سلطات الاقليم بعدما ضاعف الامريكيون المال للجهة المصنعة ، فيما اتهمت شركة مولنليك الطبية في السويد 3/4/2020 السلطات الفرنسية بمصادرة ملايين الكمامات والقفازات الطبية التي استوردت من الصين لصالح ايطاليا و اسبانيا ، و الامثلة في ذلك أكثر من أن تحصى و للأسف فإن الرئيس الأمريكي دافع عن ذلك في احدى خطاباته, معتبراً ذلك حقاً له لأنه في حاجه الي مثل هذه المستهلكات بغض النظر عن تسميته العالم لذلك السلوك .

ومن أسوأ ما تجلى في ازمة كورونا من افلاس الحضارة الغربية وقيمها ما جاء في تصريحات طبيبين فرنسيين في برنامج تلفزيوني 2/4/2020 على قناة ( ال – بي – سي)  الفرنسية ، حيث طرحا امكانية اجراء تجارب سريرية في افريقيا للقاح ( بي سي جي ) المضاد لدء السل لمعرفة مدى فعاليته ضد فيروس كورونا ، حيث لا يوجد كمامات ولا علاجات ولا عناية مركزة ، مع العلم أن أحد الطبيبين مسئول في معهد طبي فرنسي ، مما أثار ردود فعل غاضبة خاصة لدى الافارقة ، ومنها عريضة الكترونية على موقع تشينغ جاء فيها « الافارقة ليسوا فئران ولا قردة تجارب في مختبرات ، إننا في القرن الحادي و العشرين والغرب مازال يظهر سلوكاً غير انساني تجاه القارة الافريقية»

هذا غيض من فيض الأدلة على إفلاس الحضارة الغربية التي كشفها فيروس كورونا رغم امتلاكها القوة المالية والعسكرية المفرطة ، وأنها غير مؤهلة لقيادة العالم والبشرية لعدم امتلاكها القيم والمبادئ التي تحقق وتؤهل لتلك القيادة ، تلك القيم و المبادئ الحضارية التي يقدمها الإسلام والإسلام فقط.

التعليقات : 0

إضافة تعليق