رفيق احمد علي
يقول الله تعالى: «والذين استجابوا لربِّهم وأقاموا الصلاةَ وأمرُهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون» (الشورى 38)
ويقول:» فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعف عنهم واستغفرْ لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحبُّ المتوكلين»(آل عمران 159)
ففي الآية الأولى – وتبدأ بالعطف على من ذكر الله تعالى أنّ ما عنده خيرٌ لهم وهم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - نجد الدعوة الإلهية القرآنية لاتّباع الشورى بينهم، بطريق التوجيه والحث من خلال أوصاف لهم تشمل الاستجابة لدعوة ربهم وإقامة الصلاة وتطبيق الشورى فيما يهم من أمورهم، والتي جاءت سابقة على الإنفاق بعمومه تزكيةً وفي سبيل الله.. ويكفي أنها جاءت في مصاف هذه الصقات العليا التي تربي الجماعة المسلمة، وتهيئها لدورها الأسمى في قيادة البشرية وتطهيرها من الوثنية وتخليصها من الرّق والعبودية..
أما في الآية الثانية فنجد الدعوة للشورى قد جاءت بصيغة الأمر القاطع المؤكد لها بعد نشوء الخلل من جرّائها في مسار موقعة «أحد» ؛ لما أراد المشركون غزو المدينة، واستشار الرسول – صلى الله عليه وسلم- أصحابه – وكان يرى التحصن بالمدينة دون الخروج للقاء المشركين- فأشار عليه البعض وبخاصة الشباب المتحمس بالخروج، وأشار آخرون بعدم الخروج، وغلب الرأي بالخروج، وإن حصل التراجع من مؤيديه، ولكنّ الرسول-صلى الله عليه وسلم- أمضاه وكان قد لبس لأمته متهيّئاً للقتال؛ فلم يشأ أن يضعها ويتراجع.. ورجع عبد الله بن أبيّ- رأس المنافقين- بثلث الجيش! وكان ما كان من نصر آتاه الله تعالى للمسلمين في أول المعركة، ثم هزيمة؛ بعد فشل وتنازع وعصيان لأمر القيادة الحكيمة، كما أشارت إليه الآيات الكريمة في سورة آل عمران..
يقول الكاتب الداعية المجدد سيد قطب في كتابه الموسوم «في ظلال القرآن» مستظلا معلقاً على أمر الله تعالى لرسوله بالتزام الشورى، برغم ما حصل من جرّائها من ظاهر الخلل والخسارة والآلام للمسلمين: «وبهذا النص الجازم «وشاورهم في الأمر» يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم حتى ومحمد– صلى الله عليه وسلم- هو الذي يتولاه.. وهو نصٌّ قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكاً في أن أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه... ثم يقول: لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة، فقد كان من جرّائها ظاهريًا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم، اختلفت الآراء، فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها حتى إذا هاجمهم العدوّ قاتلوه على أفواه الأزقّة، وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين، وكان من جرّاء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف وما نتج عنه من خسارة وآلام للمؤمنين وللرسول – صلى الله عليه وسلم- ولم يكن الرسول يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جرّاء الخروج؛ فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها وأوّلها قتيلاً من أهل بيته وقتلى من صحابته، وتأوّل المدينة درعاً حصينة.. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة الشورى، ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات؛ لأنّ إقرار المبدأ وتعليم الجماعة وتربية الأمة أكبر من الخسائر الوقتية « (إ.ه)
فهل تطبق أنظمتنا العربية بل والإسلامية هذا المبدأ العظيم في حكمها وأمور سلمها وحربها؟ من المؤسف أنها لا تفعل، بل إنّ أكثرها يطبّق النظام العلماني الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، بل يصرح البعض بأن الإسلام لا يصلح للحكم هذه الأيام! ويأخذون بدعوى الديمقراطية تقليدا للأنظمة الغربية.. والواقع – بعد نبذهم لنظام الحكم الشوري الإسلامي- أنهم بين حالين: إما تطبيق النظام الدكتاتوري الفرعوني، برغم الأشكال البرلمانية ومجالس الشورى النيابية التي يدّعونها، ويعلنون عن قراراتها ولا ينفذونها! أو التبعية للأجنبي الشرقي أو الغربي؛ يطيعون أوامره ويخدمون مصالحه! ولن تقوم لأمتنا قائمة حتى تطبّق الشورى الإسلامية الصحيحة غير المزيّفة ولا الشكلية، وتتخلص نهائياً من ربقة الاستعمار والتبعية!


التعليقات : 0