الجزء-٤
بقلم: أحمد المدلل
الصيام في حقيقته جهاد ومجاهدة للنفس وترويض لها على الصبر والبذل والجهاد في سبيل الله . ومن يتتبع تاريخ الاسلام والمسلمين في شهر رمضان يجد ان أعظم الانتصارات الفارقة التي حققها المسلمون كانت في شهر رمضان بالرغم من قلة الامكانيات التى يمتلكها المسلمون أمام أعدائهم واختصر لنا رسول الله عوامل انتصار الأمة بثلاث كلمات فى حديث عن مصعب بن سعد رضى الله عنهما قال " لمّا ظَنَّ أبى سعد أن له فضلاً على من دونه من صحابة رسول الله قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما نصر الله هذه الأمة بضُعفائها ودعوتهم وإخلاصهم" رواه النسائي ... ومن أبرز معالم إنتصارات المسلمين في شهر رمضان :
١- معركة بدر الكبرى: كانت فى رمضان من السنة الثانية للهجرة وأصبحت معلما بارزا في تاريخ المسلمين، بل إن يوم بدر كان فرقانا كما وصفه رب العزة سبحانه وتعالى " إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان" ( الأنفال، ٤١) ... كانت معركة بدر فرقانا بين الحق والباطل وفرقانا بين عهدين من حياة الدعوة الاسلامية الأولى، عهد الضعف والقلة والمسكنة وعهد القوة والمنعة والعزة، وفرقانا بين المؤمنين والكافرين في الدنيا وفى الآخرة كذلك " واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون" ( الأنفال،٢٦ ) ... وقد تجلى الله تعالى في هذه الغزوة بنصره للمؤمنين بقيادة النبي وهم قلة في العَدَد والعَتاد- ولم يخرجوا لقتال- على المشركين وهم كثرة مدججين ومجهزين للقتال ، وقد استحق المسلمون النصر والتأييد من الله ما عُدّ آيات بينات واضحات ، لأنهم جاهدوا وأخلصوا وهم في صيامهم وعبادتهم وفيها :
- تثبيت الله تعالى للمؤمنين في أرض المعركة في مواجهة الخوف والقلق الناجمين عن المفاجأة غير المتوقعة بلقاء الجيش العرمرم دون استعداد للقتال" إذ يُغَشِّيكُمُ النعاسَ أمنةً منه وينزّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويُذهب عنكم رجز الشيطان ولِيربطَ على قلوبكم ويُثبّتَ به الأقدام " ( الأنفال،١١)
- دعم المؤمنين ومساندتهم بالملائكة للقتال معهم" أنّى مُمدكم بألف من الملائكة مردفين" ( الأنفال٩) " إذ يُوحى ربُّك إلى الملائكة أنّى معكم فثبتوا الذين آمنوا سأُلقى فى قلوب الذين كفروا الرُّعبَ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان" ( الأنفال ١٢)
- التخطيط والقتال فى معركة بدر للمؤمنين الصائمين بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم إنما كان تخطيطاً وترتيباً ربانياً " وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى وليُبلىَ المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميعٌ عليم"( الأنفال١٧)
٢- فتح مكة : فى شهر رمضان من العام الثامن للهجرة وهو من أعز الانتصارات وأعظمها فى قلوب المؤمنين حيث كانت مكة الموطن الذى تهفو إليه قلوب المؤمنين من مهاجرين وأنصار ، فالمهاجرون يحنون إلى وطنهم وأرضهم ، وإلى البيت الحرام حيث الكعبة المشرفة ومهبط الوحى فى بداية الدعوة الإسلامية. وأما الأنصار فإنهم يشعرون بالحنين للكعبة المشرفة حيث قبلة المسلمين " إنّا فتحنا لك فتحا مبينا ، ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتمَّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصراً عزيزاً"(الفتح ١-٣) .
وقد خرج النبي في رمضان ومعه عشرة آلاف من الصحابة فافتتح مكة، ودخلها فطاف بالبيت الحرام، ثم حطم 360 صنماً حول الكعبة، ثم دخل الكعبة، فصلّى فيها ركعتين، وكبّر في نواحي البيت، وخطب في الناس خطبة عُرفت بخطبة فتح مكة، وبايعه أهل مكة، رجالاً ونساءً، على الإسلام، وأطلق سراح أسرى كفارها، وقال قولته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وأصبحت مكة جزءاً من دولة المسلمين، وأقام بها النبي، صلى الله عليه وسلّم، 19 يوماً، يرشد الناس إلى الإسلام، ويبثّ سراياه حول مكة للدعوة إلى الإسلام وتحطيم الأوثان.
٣- معركة القادسية: كانت في رمضان، سنة خمس عشرة للهجرة، بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه ،وهي من المعارك الفاصلة بين المسلمين والفرس، وقد عانى المسلمون في هذه المعركة من الأفيال، ونفرت منها الخيل، ولكن القبائل العربية التي كانت حليفة لكسرى قبل إسلامها، انضمت لجيش المسلمين، ومنها قبيلة تميم، التي كان لها دور كبير في وضع خطة لهزيمة الفيلة، بحُكم خبرات أفرادها السابقة في القتال بجوار الفرس في السابق، فنجحت هذه الخطة في هزيمة الفرس، بعد أن استشهد الآلاف من جيش ابن أبي وقاص .
٤- فتح بلاد الأندلس: كان أيضاً في رمضان، سنة 92 هـ، بقيادة طارق بن زياد، ومعه اثنا عشر ألف جندي، عامّتهم من المسلمين البربر، فهزموا الجيش القوطي، وكان زهاء أربعين ألف جندي، وقتلوا ملكهم، وكانت بداية الفتح الإسلامي للأندلس.
٥- معركة الزلّاقة: وهي في جنوب دولة إسبانيا حالياً، كانت في سنة 479هـ، جرت المعركة المشهورة في رمضان بين جيش المرابطين، بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي دخل الأندلس من المغرب، وجيش الفرنجة، وكان قائد الفرنجة قد كتب كتاباً يتهدّد فيه المسلمين، فكتب له ابن تاشفين على ظهر كتابه: "الذي يكون ستراه"، وقاد المعركة بنفسِه، وكان في الرابعة والثمانين من عمره، وكتب الله فيها النصر له ولجيشه، وكانت هذه المعركة سبباً في بداية عصر المرابطين في الأندلس .
٦- معركة عين جالوت: كانت في رمضان، سنة 685هـ، بقيادة السلطان المسلم سيف الدين قطز، وقائده العسكري ركن الدين الظاهر بيبرس، ضد التتار الذين كانوا قد اجتاحوا بغداد وقتلوا فيها ما يقارب مليونى مسلم - حسب بعض الروايات- حتى اختلطت مياه دجلة بدماء المسلمين ومداد مكتبة بغداد التاريخية الشهيرة، وعين جالوت قرية تقع بالقرب من نابلس، فلما التقوا ألقى الملك المظفر خوذته عن رأسه إلى الأرض، وصرخ بأعلى صوته: "وا إسلاماه"، ثم بدأت المعركة فانهزم التتار في البداية، ثم عاودوا الكرّة، فكاد جيش المسلمين أن ينهزم، لولا أن صرخ قطز صرخة وصفتها بعض كتب التاريخ بالعظيمة، فسمعه معظم العسكر، فحفزهم على القتال، ونزل السلطان عن فرسه، ومرَّغ وجهه في الأرض وقبَّلها، وصلّى ركعتين، فكانت الغلبة للمسلمين .
٧- موقعة حطين: كانت في رمضان، سنة 584هـ، بقيادة صلاح الدين الأيوبى، وكانت معركة فاصلة بين الصليبيين والمسلمين، وحطين قرية تقع بين الناصرة وطبريا، انتصر فيها المسلمون، وأسفرت عن تحرير مملكة القدس وتحرير معظم الأراضي التي احتلها الصليبيون في الشام.
8- معركة بلاط الشهداء: وهو سهل قريب من مدينة بُواتييه الفرنسية، قرب باريس، وقعت فيه المعركة الشهيرة بين المسلمين والفرنجة، بقيادة عبد الرحمن الغافقي، سنة 114 للهجرة، في أواخر شعبان وأول رمضان، وقد قتل فيها الغافقي، وبالرغم من ان المسلمين لم ينتصروا فيها إلا انها كانت شاهدة على وصول الزحف الاسلامى الى أطراف باريس.
9- فتح عمورية: وهي بلدة كبيرة قرب أنقرة التركية، وكانت من أفضل البلاد الأوروبية، وكان الروم قد هاجموا المسلمين، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما أوردت كتب التاريخ، وأسروا الرجال وسبوا النساء، فصاحت منهم امرأة هاشمية: "وا معتصماه"، فبلغ الخبر المعتصم، فأجابها وهو جالس على عرشه: "لبيكِ، لبيكِ"، وجهّز جيشاً عظيماً، وخرج إلى الروم، فافتتح عمورية في رمضان، سنة 223هـ.
10- حرب أكتوبر: كانت فى يوم العاشر من رمضان، سنة 1973م، وفيها تمكّنت القوات المصرية والسورية والعربية من الانتصار على القوات الصهيونية الغاصبة، فعبرت الجيوش المصرية و العربية قناة السويس، وصدحت صيحات الله أكبر معلنة انتصار الجيش العربى المصرى وقدحطّم أسطورة "الجيش الإسرائيلي" الذي لا يُقهر، بعد أن قاموا بنسف خطّ بارليف الحصين واستطاع الجيش السورى تحرير القنيطرة وجزء من هضبة الجولان ، وسجّلت نقطة مفصلية فى تاريخ الصراع العربى الاسرائيلى ، وعاشت الأمة حينها نشوة الانتصار والأمل وانها بوحدتها وايمانها وقوتها تستطيع إعادة فلسطين والقدس ، ولكن سرعان ما تبددت هذه الآمال وغابت نشوة الانتصار بتوقيع معاهدة كامب ديفيد عام ١٩٧٧ وبداية الاعتراف العربى بالاحتلال الصهيونى...
لقد آن الأوان أن تنفض الأمة غبار الهزيمة والذل والهوان عن جسدها المنهك ، وأن تتقدم بالإسلام فى صورته المشرقة وتعيش شهر رمضان بفتوحاته وانتصاراته ليتوحد المسلمون من جديد ويتحركوا باتجاه تحرير فلسطين عنوان العزة والكرامة وعودة المجد التليد .


التعليقات : 0