الحكمة وحُسن الخُلق والثمار المترتبة.. رفيق احمد علي

الحكمة وحُسن الخُلق والثمار المترتبة.. رفيق احمد علي
أقلام وآراء

رفيق احمد علي

يقول الله سبحانه وتعالى: "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً "وما يذّكرُ إلا أولو الألباب( البقرة 269) وقد ذكر الله تعالى الحكمة مقرونة  بالكتاب الذي يؤتيه رسلَه، إذ يقول: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لما آتيتكم من كتابٍ وحكمة ثمّ جاءكم رسولٌ مصدّقٌ لما معكم لَتؤمنُنَّ به ولَتنصرُنّه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا.."(آل عمران 81) والكتاب مفهوم وقد قرن وأُردف بالحكمة، فما هو مفهوم الحكمة وما المقصود بها؟ لا شكّ أنها أمر يتعلق بحسن السلوك وسلامة التصرف؛ بمقومات من خلق وعقل وحضور بديهة؛ مما هو ضروري لأصحاب الرسالات عموماً ثم خلفائهم من ولاةٍ أو دعاة..

 

واذ نجد أنّ الله تعالى قد وصف حاتم الأنبياء وصاحب الرسالة الإلهية المكمّلة الكاملة، بأنه على خلقٍ عظيم؛ لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إنّ الحكمة هي حسن الخلق الذي يتم به تبليغ وإيصال الرسالات عموماً إلى قلوب البشر.. وأنّ الرسالة الخاتمة العظيمة إنما تحتاج إلى الخلق العظيم الذي توفّر في خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والتسليم. وبالتالي فهي الصفة التي على الخلفاء وأولي الأمر والدعاة أن يتحلوا ما استطاعوا بها مقتدين برسولهم الكريم.. هذا ولو تتبعنا السيرة النبوية المشرّفة، لوجدنا أنّ هذا الخلق النموذجي العظيم الذي أثنى به الله تعالى على نبيه، قد كان النبي مطبوعاً على بعض مبادئه منذ حداثة سنّه، حيث اتصف بالوفاء  والأمانة؛ فكان قومه من قريش ينعتونه بالأمين ويودعون عنده أماناتهم مطمئنين! فلما بُعث وتنزّل عليه القرآن الكريم، أرشده الله تعالى بآياته لما يتمّم ويكمل خلقه؛ كي يصل إلى مستوى الوصف بالعظمة التي وصف بها، وليكون قدوة مثالية حسنة لأتباعه المؤمنين..

 

فما هي متممات هذا الخلق كما تنزّلت بها الآيات الكريمات؟ إنّ أول هذه المتممات نجده في أوائل سورة "القلم" وذلك بعد الإتيان على الآية التي أثنى بها الله تعالى على نبيه، إذ يرشده بقوله له: "فلا تطع المكذّبين. ودّوا لو تدهن فيدهنون"(آية 8ـ9 من السورة) والإدهان هو النفاق، والنهي عنه يفيد مخالفته لحسن الخلق، بلهُ الخلق العظيم، وضده الإخلاص وصدق القول والوفاء بالأمانة والعهد.. وما أكثر الآيات الكريمة التي تحض على هذه الخصال العظيمة وتنهى عن ضدها من الكذب أو الرياء أو قول الزور! ومنها قوله تعالى: "من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.."(الأحزاب23) وقوله: "..هذا يومُ ينفع الصادقين صدقُهم.."(المائدة 119) وقوله: "..والموفون بعهدهم إذا عاهدوا.."(البقرة177) يلي ذلك خليقة الصبر التي يتكرر ذكرها والحثّ عليها وحب الله تعالى للمتصفين بها، ومن ذلك قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إنّ اللهَ مع الصابرين"(البقرة 153) وقوله: ".. والصابرين في البأساء والضرّاءِ وحين البأس .."(البقرة 177) وقوله: ..ولمن صبر وغفر إنّ ذلك من عزم الأمور"(الشورى43) وقوله: ".. وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبُّ الصابرين"(آل عمران146) ومن الخصال المصاحبة للصبر القائمة به: الحِلم واللين والتواضع والعفو عن الناس وبخاصّة عند المقدرة؛ إذ يقول سبحانه: "فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلبِ لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر .."(آل عمران 159) ويقول: ""خذ العفوَ وأْمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين"(الأعراف 199) ويقول: ".. وإذا ما غضبوا هم يغفرون"(الشورى 37)

 

هذا ولا مراء أنّ صفات الكرم والإيثار والشجاعة والعدل والعفة والوقار هي من فُضلى الأخلاق التي اتّصف بها الرسول- صلى الله عليه وسلم- والأمثلة الدالة على ذلك كثيرة من سيرته النبوية النبيلة..

 

ونختم ببيان ثمار الحكمة والخلق الحسن وآثارهما الطيبة؛ إذ يقول الله تعالى: ".. ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.." ويقول في الصادقين: " هذا يومُ ينفع الصادقين صدقُهم.." وأيُّ ثمرة هي خيرٌ وأفضل من ثمرة مدّخرة باقية دائمة في الحياة الآخرة! ويقول في الصابرين: ".. إنما يوَفّى الصابرون أجرهم بغير حساب"(الزّمَر 10) ومما جاء به الحديث النبويّ الشريف بعد الذكر الحكيم ، قوله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم خُلقاً"(رواه أحمد وأبو داود) وقوله: "ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطّئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون. ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون"  ويقول: "أكثر ما يُدخل الناس الجنة تقوى الله وحُسن الخلق"(رواه الترمذي والحاكم).

 

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق