بقلم : حماد صبح
" الفشل يتيم ، والنجاح كل الناس آباؤه "، سطعت هذه المقولة سطوع شمس نهارٍ صيفي بأقوى تجلياتها عقب انتصار المقدسيين في معركة الأقصى بإجبار الحكومة الإسرائيلية على إزالة البوابات الالكترونية ، وإلغاء نيتها تثبيت الكاميرات الذكية التي كان من المقدر أن تنفذ خلال ستة أشهر . واجتاز سطوع هذه المقولة المألوفَ الذي يسوغ إنسانيا أن يتبرأ الناس من تبعة الفشل ومذلته، وأن يلزقوا أنفسهم بالنجاح وزهوته.
ما حدث هذه المرة غريب حقا ، ولا أخلاقي حقا ، وانتهازي مغشى بنذالة كبيرة حقا . ذلك أن أطرافا عربية متجسدة ببعض مسئوليها ، وبكثير من إعلامييها ، أسرعت إلى ادعاء إسهامها في صنع انتصار المقدسيين ، وكبرت صفاقتها فبدا أنها تنسبه إلى نفسها ، أي تسرقه.
وكلنا نعلم حقيقة ما فعلته تلك الأطراف في معركة الأقصى . فإسرائيل أعلمت تلك الأطرافَ نيتَها وضعَ البوابات الالكترونية ، فلقيت رضاها واستحسانها ، ومن هذه الأطراف السعودية التي نصحت الفلسطينيين بالموافقة على البوابات . وطلب الأردن من موظفي لجنته المشرفة على شئون الأقصى دعوة المقدسيين إلى الصلاة مع وجود البوابات ، فرفض المقدسيون دعوتها .
وقيل إن صفقة عقدت في عجلة بين الأردن و"إسرائيل" بعد جريمة السفارة للفلفة الجريمة مقابل إزالة البوابات . والسلطة الفلسطينية زعمت أنها أوقفت كل اتصالاتها مع "إسرائيل" حتى تزال البوابات . كل ما صدر عن أي طرف عربي فيه حديث عن إسهامه في انتصار معركة الأقصى باطل خالص.
"إسرائيل" خضعت ذليلة منكسرة الهيبة لقوة إرادة المقدسيين ومتانة صبرهم المتفجر من عمق إيمانهم ونقاء وطنيتهم . تصدوا عزلا للموت والرصاص الحي والمطاطي والغازات وعنف ضربات الهراوات في شجاعة متفردة أرعبت الجنود والشرطيين الإسرائيليين ، ويقال إن مشاهد شجاعتهم في معركة الأقصى وما سبقها ، وتمثل أحدها في صفع شاب مقدسي جنديا إسرائيليا على رقبته ، ودعونا من بطولات الاستشهاد الأكبر من كل بيان ، خفضت دافعية الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش والشرطة.
أوهن المقدسيون الشجعان عدوهم ، ولم يهنوا ، فنصرهم الله الذي جعل نصر المؤمنين حقا عليه، ما فعلوه ملحمة إيمان ووطنية فلسطينية صرفة صنعوها وحدهم مواجهةً لإسرائيل وتجبرها وتغطرسها المعززين بقوى رسمية فلسطينية وعربية أقفرت نفسها من أي قطرة حياء ، فأسرعت تدعي إسهامها في صنع انتصار المقدسيين ، بل تنسبه إلى نفسها ، أي تسرقه . ماذا نقول في الوسم الذي نشره الجيش الالكتروني السعودي : " الأقصى في قلب سلمان " ؟! الجواب في ما لقيه الوسم من سخريات في الإعلام الشعبي . وبم نصف " تهنئة " الدكتور عبد الرحمن السديس إمام وخطيب الحرم المكي بلاده على دور لم تفعله في انتصار المقدسيين ، بل فعلت نقيضه ؟! أظن أحد مصادر هذه التهنئة ما أذاعه الديون الملكي السعودي عن قيام الملك سلمان بـ " اتصالات لمنع إغلاق الأقصى في وجه المسلمين " ! هكذا بكل كثافة الغموض والعموم المعهودين في أكثر البيانات السعودية .
أعجبني كثيرا رسمة هزلية للدكتور علاء اللقطة ، فنان الهزليات الفلسطيني المبهر فكرا ورسوما : سقف من دم كتب فوقه " تضحيات المقدسيين " تتدلى منه ثلاث قطرات في صورة حبال ، يحاول ثلاثة من الزعماء العرب التعلق ( التشعلق ) بها في جدية وعناد ، وكتب تحت الثلاثة "المتسلقون " .
سرقة ثمار تضحيات المقدسيين الكبيرة انهيار أخلاقي كبير ، ويضاعف عمقَ هذا الانهيار صدورُه عمن حاربوا هذا الانتصار سرا وجهرا ، ومن حصافة الرأي وحسن التمييز أن نلمح في ظلمته الأخلاقية ضوءا صغيرا يلوح تحته شعور غائر مضطرب في نفوسهم بأنهم يصطفون في الجانب الخاطئ، جانب عدو أمتهم.


التعليقات : 0