انتصار بدر... نافذ رشاد عزام

انتصار بدر... نافذ رشاد عزام
أقلام وآراء

الشيخ/ نافذ رشاد عزام

بسم الله الرحمن الرحيم «يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم».

 

ارتبط السابع عشر من رمضان بواحد من أهم الانجازات والانتصارات في تاريخ الأمة.. انتصار بدر الذي وصفه الحق تبارك وتعالى بالفرقان.. وأنزل فيه قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة.. واستحق فيه المسلمون أن تتنزل الملائكة لتقاتل معهم، وأن يُسخر الله عز وجل آيات الكون لتكون مع المسلمين وفي خدمتهم.

 

والسؤال الموجع اليوم: لماذا تعجزُ الأمةَ اليومَ عن صناعة بدر أخرى؟! ..لماذا لا تستفيد الأمة من ذلك الإرث المبارك في تعديل أوضاعها والنهوض من جديد؟!.

 

في بدر كانت كل الحساباتُ تشير لغلبة معسكر الشر.. كانت موازينُ القوى تميلُ بشكلٍ صارخٍ لصالحِ قريش.. ٣١٤ من المؤمنين أمام ٩٥٠ مشركاً.. ٧٠ من الإبل في مواجهة ٧٠٠.. فرسان ضد ١٠٠ فرس.. هكذا كانت الصورةُ يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من العام الثاني الهجري، وأكثر من ذلك كانت الدولةُ الفتية الناشئة تقف في مواجهة قريش صاحبة السمعة والصيت والهيبة في كل جزيرة العرب.

 

كان الثلاثمائة والأربعة عشر يُمثلون خلاصة الخير، بل كل الخير على وجه الأرض، كما عبّر الرسولُ الكريم في دعائه وضراعته قبل المعركة «اللهم إن تُهلِك هذه العصابة لن تعبد في الأرض».. في هذه الأجواء جرت المعركة، وحقق المسلمون أهم وأكبر انتصار في تاريخ الإسلام كله.

 

حصل الانتصار بفضل الله أولا، وبعد ذلك بسبب وجود القيادة الحكيمة الراشدة متمثلة في شخص النبي (صلى الله عليه وسلم)، وثانياً بسبب التعبئة الصادقة والفعالة، وثالثاً بسبب تحديد هدف واضح لتلك الحرب، وهو الحفاظ على منهج الخير، وقيم الخير، فالجميعُ كان يعرف، وفي المعسكرين أن هزيمة المسلمين تعني نهاية الدين الجديد، وتعزيز سطوة الباطل والشر.

 

وكان لوجود الشور، بشكل عملي واحترام النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه وجنوده والاستجابة لآرائهم حتى لو خالفت رأيه، كما حصل مع الحباب بن المنذر، أحد أفراد ذلك الجيش، والذي اعترض على المكان الذي اختاره النبي للمعركة، ونزل النبي عند رأي الحباب.. وكان من الطبيعي أن ينتصر الجيش الذي تحركه الدوافع النبيلة، والذي يسعى أفراده لبناء عالم أخلاقي ومؤمن ومتوازن، وكان من الطبيعي أن تحل الهزيمة بالجيش الآخر الذي أصرّ على عدم الرجوع كما قال قائده الأحمق والغبي أبو جهل، حتى يَرد بدراً فيُقيمَ ثلاثاً يشربُ الخمر، وينحر الإبل، وتعزف المغاني، ويظن أن تلك الأشياء ستفرض سطوته على العرب إلى الأبد.. تماماً كعالم اليوم، تغيبُ الدوافع، ويغيبُ العقل، وتتسع دائرة الفاحشة، هي نفس صفات معسكر أبي جهل وعتبة وأمية بن خلف، فما الذي يؤخر إذن جيش سعد بن معاذ، والمقداد، والحباب، وأبي بكر وعلي وعمر؟!!..

 

إنه السؤال الموجع، والأمر يتعلق بنا نحن الأمة، وحكامها، وقادتها، وكل فئاتها ومكوناتها، فوعد المولى قائم، «يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً، ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم».. إذن الفرقان نصنعه نحن، تصنعه الأمة وطلائعها إن التزمت بتقوى الله.. هذا هو شرط الآية الأساسي.. شرط النصر وصناعة فرقان جديد كيوم الفرقان الأول..

 

هذا وعد يجب أن تحمله الأمة وتتحرك به لتهزمَ الباطل والشر وتستعيد فلسطين، ومعها تستعيد دورها العظيم.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق