الشيخ/ نافذ عزام
وفرت الاحداث التي واكبت التحديات الإسرائيلية الأخيرة على المسجد الأقصى فرصة جديدة للفلسطينيين للنظر إلى أنفسهم، والعمل لترتيب أوضاعهم الداخلية وهي بالمناسبة ليست المرة الأولى التي يسوق الله فيها لنا ظروفا لتحسين واقعنا، وتقوية جبهتنا، وإعطائنا قوة دفع لمواصلة رحلة الكفاح، والسؤال الذي يلاحقنا بإلحاح، هل نستفيد من الفرصة الجديدة، ونبني عليها لنكون أكثر قدرة على مجابهة التحديات الخارجية، وتوفر لشعبنا حياة تليق به، أم أن أجندتنا الداخلية ستظل عصية على أية مراجعة أو إعادة نظر.
لقد أثبتت أحداث المسجد الأقصى أن الشعب الفلسطيني لم يرضخ للأمر الواقع، ولم يستسلم للإحباطات وانسداد الأفق، وفي ذات الوقت أثبتت الشعوب العربية والإسلامية أن فلسطين لا زالت قضيتها المركزية لنجاح قضية ما، أو مواجهة أزمة ما، فرغم الاختلافات والتباينات وأحيانا التناقضات التي تحيط بالمواقف والسياسات العربية والإسلامية تظل قضية فلسطين نقطة الالتقاء للمختلفين والمتناقضين، وتظل قداستها عاملا هاما في إفشال رهان أعدائنا على سوء أحوالنا لإنهاء قضية الأمة الأولى، وتكريس الاحتلال كأمر واقع لا فكاك منه.
لقد لاحظ معظم المراقبين اشتداد الهجمة على ما تبقى من القضية الفلسطينية ورموزها وبالذات بعد مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة وتساوق بعض الدول العربية والإسلامية معها، طالت الهجمة كل شيء تقريبا حتى وصل للمسائل الإنسانية والاجتماعية التي تخص شريحة هامة من شرائح الشعب الفلسطيني (عوائل الاسرى والشهداء) وبات هذا الموضوع الانساني والاجتماعي المتعلق بهم على رأس جدول أعمال الإدارة الأمريكية في دلالة واضحة على المدى الذي وصلته أوضاعنا، وبدأ الكثيرون يتساءلون عن شيء اسمه صفقة القرن أو صفقة العصر، وكيف أن الظروف الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية باتت مهيأة وأكثر من أي وقت مضى لهكذا حل، يقضي على ما تبقى من روح الفلسطينيين، ويثبت أركان الاحتلال إلى الأبد، وبدا ان الأمور كلها تمضي بهذا الاتجاه، إلى أن ارتكبت "إسرائيل" أكبر أخطائها في القدس والمسجد الأقصى، ظنا منها أن الوضع الفلسطيني المتفسخ والوضع العربي المفتت والوضع الدولي المرتبك والمشوش يمكن أن يسمح لها بفعل ما لم تستطع فعله في المسجد الأقصى منذ إعادة احتلاله قبل خمسين عاما.
ونستطيع الزعم أن كل الأطراف فوجئت بما حصل، من رد فعل فلسطيني وعربي وإسلامي سعت الحكومات والدول التي راهنت أمريكا و"إسرائيل" على مواقفها وسياساتها لم تستطع إلا أن ترفض إجراءات "إسرائيل" وتدينها، لكن البطل الحقيقي للإنجاز المفاجأة هو الشعب الفلسطيني بكافة شرائحه وأطيافه حتى السلطة ممثلة في الرئيس أبو مازن كانت تستمد من قوة رد الفعل الشعبي ما جعلها توقف كل الاتصالات مع "إسرائيل" وهي خطوة لها دلالاتها ورمزيتها الهامة.. ومع الشعب الفلسطيني كان نبض الشارع العربي والإسلامي حاضرا وحارا ومؤثرا.
لقد أُسقط في يد أمريكا و"إسرائيل"، وهم يرون الهبة المستحيلة وكأنهم توقعوا أن زمن الأعداد الطيبة قد انتهى، وأن البؤس الشديد الذي تغرق فيه الساحة الفلسطينية سيقتل أية روح تبحث عن الحياة.
لقد ظنوا فعلا أن سنوات الانقسام قد فعلت فعلها وقبضت على ما تبقى من روح الناس وإصرارهم، ففوجئوا بأن هذه الروح لم تنكسر، وأن جيلاً من الفتيان والشبان المتسلحين بالحداثة مستعد ان يفدي المسجد الاقصى بكل شيء.
يُفترض أن تكون أحداث المسجد الأقصى قد وجهت رسالة للنخب الفلسطينية لمراجعة كل شيء، وإعادة النظر في منطق المناكفة والتعصب وهي بالتأكيد قد وجهت رسالة للمحتل بأن هذا الشعب يخترق قهره وبؤسه ومعاناته، ليقذفها في الاتجاه الصحيح، تصويبا للمشاعر والسياسات والبوصلات وليقول وبأعلى صوت بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة ومرفوضة وغير أخلاقية.!


التعليقات : 0