نادره هاشم حامده
ليس من الضروري أن تكون مؤرخا لتقص حكايا الوطن، ولا يلزمك ان تكون كهلا لتجسد بقلمك واقعا ماضيا وحاضرا وتكتب كل شيء عن الوطن،، فالحالة الشعورية المتجذرة فيك والمتجذرة بقوة في اركانك وتفاصيلك، تجعل في وجدانك دوما نكبة الوطن، تمكنك هذه النكبة من إبداع التأثير لأن تعبيرك ببساطة ينساب متدفقا سلسا حقيقيا صادقا ،ولكنه ساخن ملتهب بجمر القلب الذي انكوى ، فقلمك المستخدم حبره من الدم الذي سقى الشهداء به ربوع هذا الوطن.
تبدأ حكايتك مع الوطن في زمن الادراك و الفهم لمعنى فقدان الوطن، وانت تجتر بعض المشاهد الأليمة من مستودع عقلك الباطني، والتي هي محفورة لا تغادرك مهما بعدت سنونها، ستبقى فيك ما بقي الزمن, بل تجدها احيانا تطفو من أعماقك إلى سطحك و تفقدك السيطرة إذا ما نقرها ما يشبهها، فتخرجك عن طور الإرادة والتحكم، إلى حالة تتيقن معها ،أنك أصبحت رهين صدمة استوطنتك، وتنتابك عندما يطرق عليها في مرادفات المشهد الهوى.
في مستودع ذكرياتي ، ذلك المشهد الذي استفزني إليه مشاهد ذكرى النكبة، .. المشهد الذي استقر في اعماقي مع مشاهد مماثلة في دنيا الوطن ، مشهد اطفال يصرخون وقد اخذوا بتلابيب ثوب امهم ،.لم اكن اتجاوز الرابعة من عمري بعد، ومعي أخواتي الثلاثة، و مولود ذكر ، في شهره الثاني فقط، لطالما انتظره والدي متشوقا هكذا كانت تقول دائما والدتي رحمها الله، كان ذلك اليوم الخامس عشر من شهر أيار لعام ١٩٧٥م، يومها طوق جيش الاحتلال بيتنا الكائن في غزة مقابل مدرسة الهاشمية في شارع عمر المختار ، وامتلأت الشوارع بآلياتهم، وداهم عشرات الجنود البيت، وعاثوا فسادا بكل محتوياته، تحطيما وتدميرا، لم يبقوا على شيء فيه بحثا عن اسلحة ومتفجرات، موجهين بين الفينة والاخرى أسئلتهم لوالدتي اين يخبئ زوجك المخرب المتفجرات، لم يتركوا شيئا في البيت دون تفتيش حتى برميل الدقيق افرغوه على الارض وداسوا ما فيه بأقدامهم ، كان مشهداً مرعباً لأطفال اربعة حاولوا الاحتماء بوالدتهم الشابة، التي تظاهرت بالقوة وهي تحتضن رضيعها، ولا اعرف إذا كنا نحن من نحتمي بها، ام هي التي كانت تحتمي بنا في ذاك الركن من البيت.
كانت تنظر إليهم والدتي رحمها الله وقد اخذتها ذكرى سنوات عشر من زواجها بوالدي، مكث خلالها في السجن أكثر مما مكث معها ، ماراً عليها مثل هذا المشهد المتكرر، ولكنها تشعر أن اليوم هناك شيئاً آخر مختلف, إلى أن تقدم منها ضابط صهيوني يتكلم العربية جيدا، وقال لها: انت زوجة المخرب هاشم عبد الفتاح حامده، قالت: نعم ، قال وهؤلاء أبناء المخرب مشيرا إلينا وقد تعالى صراخنا خوفا منه حين اقترب من والدتي و معه جنديان يستعدان للقنص.
استطرد الضابط الصهيوني بغطرسة قائلا : زوجك اليوم حاول زرع الغام لتفجير القطار ،ولكننا قتلناه، وهو جثة في مستشفى هداسا العسكري.
بهذا الشكل زف إلينا هذا الضابط خبر استشهاد والدي أثناء زرعه للألغام في خط السكة الحديدية في طريق القطار الصهيوني المحمل بالدبابات والعتاد العسكري، في طريق خانيونس رفح شارع صلاح الدين ، ليستشهد معه احد عناصر الخلية وينسحب عنصران آخران بسلام .
ومن هنا بدأت رحلة العذاب والمعاناة في غياب الوطن الاصغر وهو الأب، ولأكون انا بنت الشهيد الجبهاوي الحر الشريف هاشم عبد الفتاح حامده الذي لم ولن افك اسمه عن اسمي ما حييت ، ليس برا به فقط، ولا من أجل انه الشهيد الذي فدى بروحه الوطن ، ولكن زيادة على ذلك من اجل فخري بمكرمة أخلاقه حتى في آخر لحظات حياته، والتي جسد فيها أسمى معاني الإيثار، هذا الخلق الذي لا يمكن أن تجد له ترجمة في لغة أخرى، لأنه خلق إسلامي بحت، ولكننا للأسف نفتقده الآن كإسلاميين على اختلاف أيدولوجياتنا، كان ايثار والدي رحمه الله في اغلى شيء قد يملكه الانسان على الإطلاق، إنه إيثار رفاقه على نفسه في الحياة و البقاء .
بعد مرور اربع سنوات من استشهاده رحمه الله، زارنا ضيف غريب فجأة وخطفة، بعد ان استأذن من والدتي دقائق ، معرفا عن نفسه انه صديق قديم لوالدي، وأنه يريد أن يوصل لنا امانة ثقيلة في عنقه منذ سنين, كانت هذه الأمانة حديثه عن والدي رفيق النضال في آخر لحظاته مع الحياة ، والتي ما كنا لنعرفها بدونه.
كنت اظن على صغري حينها ان الرجال لا تبكي، وان النساء فقط هن البواكي ، لذلك لم انسَ ابدا بكاء ذلك الرجل حين احتضن اخي الوحيد ذا الاربع اعوام ، قائلا انت الذي فرح هاشم بقدومك كثيرا، ولكنه تركك بعد أيام ورحل عنك دون عودة, زادت دموعه انهمارا وهو يقص علينا ما اعتبره امانة لا بد ان يعرفها ذوي الشهيد هاشم عنه ، فحدثنا كيف أصر والدي في بداية الاشتباك. أن تنسحب المجموعة و يبقى هو لتغطيتهم، وكيف انهم رفضوا وقالوا له : ( نموت معا أو نعيش معا ) فصرخ فيهم التزموا الاوامر، في الانسحاب إلى البيارات دون سيارة، لينجو اثنان منهم، ويستشهد الثالث بعدما بدأ انسحابه بقليل، ليلقوا ربهم بإذن الله شهداء لا نزكي على الله أحدا.
في ذكرى النكبة، حق لأمثال هؤلاء الابطال.، أن تتخلد بطولاتهم فينا، فلا ننفك عنها ولا تنفك من اسامينا، حيث لا يلزمنا نحن الفلسطينيون ان نتذكر نكبة الوطن، فقد شربناها علقما مرا ولم نزل ، فالماديات تتلاشى إن لم يجسدها الاحساس الدائم بالشجن، وأي شجن أقوى من هذا الواقع الأليم الذي يسدل علينا أستاره الداكنة السوداء بكل ثقل، فكل يوم نحن في نكبة تضاف إلى أصل النكبة، نكبة الأسرى ونكبة المسرى، نكبة تهويد الأرض، ثم نكبة الضم.
في ذكرى النكبة نقول: لن تدوم احتفالاتكم بذكرى سرقة الوطن يا دولة العربيد، وإن احتفلتم سبعين مرة قل اكثر ، فالويل لكم من ثأر أرضعناه أبناءنا، سيأتونكم بإذن الله كجمالة صفر، يرمونكم بلهيب جمر شزر ،.فالثأر قادم وسيكون عليكم بحول الله ادهى وأمر ..


التعليقات : 0