عبد الله الشاعر
أنامل القوّة تخطّ حروفَ التاريخ، ومعاولُ الحقّ تهدمها، وتهتك سترها...تفضح الكتبةَ الخونة، والكتبةَ المرتزقة، والكتبةَ المأجورين.
النكبةٌ مخطوطةٌ دمويّةٌ على جدران التاريخ، وإرشيفٌ للعذاب الذي يتجدّد كلّ صباح، ومع كلّ إطلالة على حيفا، ويافا، وزرعين...تحفظهُ شجرةٌ أكبرُ من عمر الغاصبين، وأطلالُ بيتٍ ما زال يخبئُ العروبةَ في كلّ حجارته، ويسخرُ من كلّ العابرين.
***
لا تسقطُ الحقوقُ بالقوة والطغيان... قد تُغتصبُ، وقد تُسرقُ، وقد تُشوّه، لكنّ الحقَّ يظلُّ على مدى الأجيال محفورًا في الذاكرة الجمعيّة، ومنقوشًا على جدران الوعي...تنطقُ به الجغرافيا، ويفوح من جنبات التاريخ، وشواهدِ الواقع الذي يستحيل طمسُها.
***
فلسطينُ أكبرُ من زلّةِ قلم، وأكبرُ من وعدٍ يقطعهُ الطغاةُ للعصابات، وأكبرُ من مرحلةِ هوانٍ تمرُّ به الأمّة...فلسطينُ وعيٌ وتاريخٌ وهُويّة.
***
النكبةُ نقشٌ في الذاكرة التي لم تصدأ، وصورةُ الشيوخُ الذين يحملون مفاتيح بيوتهم دون يأس، ويُعلّقونها في جيد الأجيالِ وصيّةً مقدّسةً، وحقًّا ناصعًا تُبذلُ في سبيله المُهجُ والدماء.
***
لا تُحيى المواجعُ المزمنةُ بالأفراح، ولا بالضجيجِ الصاخب الذي يخدش الحياءَ الوطنيّ، ويهتكُ أعراضَها، ويغتصبُ طموحاتِها الشعبيّةَ ومشاعرَها النبيلة... إحياءُ الوجعِ يكون باستحضار الذاكرة، وصقلِ الوعي، وشحذِ الأجيال...الجراحُ المزمنة يشفيها الدواء، ولا ينفعها الرقصُ على حبالِ الحزنِ أو حبالِ السياسة
***
في ذكرى النكبة يَحرُمُ على المسؤولين الجلوس على أرائك من ريشٍ ونعام، فيما يجلس الوطنُ على خوازيق لا تتوقف...يجلسون في قاعات مكيّفة فيما يحترق الوطن من أخمص جوعه حتى مفرق حزنه.
***
في ذكرى النكبة لا يصحُّ للأحزاب السياسة ان تتناطحَ في المسلّمات الوطنيّة، ومن المعيبِ أن
يتحوّل النضالُ الفلسطينيّ إلى صراعِ محاصصةٍ على ما لم تقضمه الجرّافات الصهيونيّة بعد، وتنابزٍ بالألقاب والمخازي.
***
في ذكرى الجرح اليوميّ النازفِ منذ عقود، نجدّدُ العهدَ، ونردّدُ في العالمين:
لنا عزمٌ من الأنفال نشحَذُهُ.
لنا وعدٌ من الإسراء نَرقبُهُ.
لنا وطنٌ من الأعداء نحرسُهُ
ونشعلُ حبّهُ فينا .
فيا باغي متى تفهمْ
بأنّا ملحُ هذي الأرضِ... ضحكتُها.
وأَنّا المرُّ والعَلقمْ .


التعليقات : 0