معروف الطيب
لا يولد المرء مهزوماً، ولابد أن يمر بظروف تحكم عليه بالانتصار أو الهزيمة، على المستويين : الموضوعي والذاتي.. وفي هذا السياق تأتي التربية كأهم العوامل التي تبني الشخصية، وتحدد مسارها.. ومن السهل الاستدلال على ملامح هذه الشخصية من خلال التراث المنقول نقلاً أو المدون في الكتب، وتناقلته الأجيال من الأب للابن، ومن خلال ما يدلف على الألسنة، فالمرء مخبوء تحت لسانه إذا نطق عرفنا الخارطة النفسية له، بل نستطيع من خلال لغة الجسد أن نستقرئ التاريخ السيكولوجي والتطورات التي مرت بها هذه الشخصية، فقد يكفيك أن ترى لعاب (العربان) يسيل على ما تعرى من جسد ابنة ترامب لتعرف أنهم سيدلقون مليارات الدولاارات بعد دقائق.. نعم، الهزيمة والانبطاح لا تتأتيان طفرة واحدة بل هو مسلسل فيه مقدمات ونتائج.. وفي المقلب الآخر ترى عمر المختار_ رحمه الله_ عندما عرض عليه «غراتسياني» داخل الغرفة أن يتعاون مع الايطاليين مقابل حياته ومقابل المال، فكان رد المختار رافضاً قاطعاً.. بل حذره قائلاً» لا تعلن للعالم أنني في خلوة هذه الغرفة التمست منك حياتي».. وكان تعليق «غراتسياني» المعجب ببطولته يرشح بالاحترام والتقدير لشخصيته» كلا، لن أكذب بشأنك. أنت رجل شجاع»..
لقد تعرض العرب في تاريخهم الحالي لأسوأ ما يمكن تخيله من الانحطاط على مستوى البنيان النفسي، وكان المنتج النهائي الذي قد يكون أذهل الكثيرين وفاجأهم، ولكنه لم يفاجئنا حتى، المتمثل في شاب معدوم الثقافة، ناقم على كل شيء له علاقة بوجوده، وجاهز لخوض كل معارك الدنيا إلا مع عدوه الحقيقي.. فهو يطلق النار (منتشياً) وهو يصيح « الله أكبر» على آخرين يطلقون عليه النار وهم يصيحون بنفس الهتاف.
لكي نصل للتشخيص السليم للظاهرة لابد من تشريح المكونات ودراسة المسببات في ضوء الظروف المحيطة. ولو تأملنا لكمية الأمثال الشعبية (الملعونة) التي نتداولها دون خجل أو مواربة، والتي تعكس مدى انهزامنا على المستوى الوجداني لعلمنا حجم الخراب الذي ينتظر الترميم..» حط راسك بين الرووس وقول: يا قطَّاع الرووس» لماذا نحزن إذن عندما نرى مشهد قطع الرؤوس، هكذا غرسنا في بعض أبنائنا شهوة قطع الرؤوس التي اختفت من بعد هجوم التتار.. «الايد اللي ما بتقدر تكسرها.. بوسها وادعي عليها بالكسر». ما هو النفاق إذن؟!.ولماذا تلقى عائلات الملوك العرب الذين يسرقُّون شعوباً بأكملها في الخليج وغيره من يصفق لهم ويسبح بحمدهم؟! ولهذا السبب ذهبنا في نهاية المطاف للتحالف مع العدو الصهيوني الذي (أذل) العرب، لأننا نشعر بالدونية أمامه.» قالوا يا جحا النار ولعت في الحارة.. النار وصلت لدار جاركم,, النار وصلت بيتكم. قال جحا : مادام النار بعدت عن تيييييت كل الدنيا بخير». نفسي نفسي، قمة الجبن والتجبين.. ولهذا ابتعدت فلسطين كثيراً عن الذاكرة العربية، ولهذا ذهبنا للانقسام بسهولة وعبرنا مستنقع الدماء، وأصبحنا خلقاً غيرنا، ولهذا لم نر حالة عربية واحدة، وأصبحت القمم مجرد مهرجانات احتفالية، تفرز المزيد من مسببات الفرقة وبؤر الاختلاف بين زعامات لا يوحدها سوى الصور الفوتوغرافية المشتركة والابتسامات الديكورية المرسومة على الوجوه الكالحة التي لا تشعر ولا تستشعر هموم الأمة، ولا ترى فلسطين على مائدة الصهيونية العالمية، وبعضها لا يميز في حديثه بين الاسترخاء و(الاستخراء).
إن ظهور التكفير وطغيانه على عقول كثير من الشباب المساكين هو نتاج طبيعي، للخواء النفسي والانفصام المعرفي، مقابل استغوال الغرب والصهاينة، ومهارتهم في توجيه السلوك البشري ليصبح أداة طيعة في إحداث ما عجزت جيوش عظمى عن تحقيقه.


التعليقات : 0