عبد الله الشاعر
منذ أن قبض الاحتلال على زهرة المدائن، و انتزع معها أهلها، أحكم عليها قبضته، مراهنا ً أنّ خنق المقدسيين مع مدينتهم سيدفعهم للتفلّت من يد مخالبه طلباً للخلاص، فقد بدت المدن في الضفة بعد أوسلو دروب أمان، ولكنهم ازدادوا التصاقاً بمدينتهم وكانوا لها حجاباً من مخالب الاحتلال، حتى حين فتح الاحتلال لهم كفّه ليتساقطوا منها، تشبّثوا بكلّ خيط يربطهم بمدينتهم، فلا يخشى المقدسيّون على القدس أن تبقى وحيدة دونهم، إنهم يخافون أكثر أن يعجزوا عن مواصلة الحياة دونها.
الاحتلال الذي تدور في رأسه ترنيمته الكاذبة (أرض بلا شعب)، يريد القدس دون أهلها، حاصرهم فما رضخوا، أطلقهم فما طاروا، فراح يجلدهم بسيف القوانين التي يقدّها من حقده، ويجدلها بملح الغطرسة، صبّ الأحياء العربية في قالب وقطع عليها سبل التوسع، وحرّم فيها البناء، فالتحم المقدسيون مع بعضهم واقتسموا السقف والأرض، حتى ضمّ البيت الواحد ثلاث عائلات وأكثر، فقام الاحتلال يلفّ حبال إجراءاته على عنق المدينة، ويمنع منح حقوق الإقامة لأيّ مقدسيٍّ لا يمتلك إثباتاً قانونيّاً من بلدية الاحتلال أنّه يقيم في بيت منفصل، فراح المقدسيون يعمرون ضواحي مدينتهم، وتركزوا في مناطق بعينها، سهّل لهم الاحتلال فيها الإقامة، في عناتا وكفر عقب، ليصادق عشية إزالة البوابات على قانون يفصل بموجبه هاتين الضاحيتين عن مدينة القدس، ويعلن عن نيته تشكيل مجلس إقليمي يتولى إدارة شؤون الناس فيها بدلا عن بلدية القدس، حارماً بهذا الإجراء 150 ألف مقدسي من انتمائهم للقدس، واعتبارهم ثانويّاً كالمستوطنين في الضفة، أطرافاً بلا مركز، يتلفّتون حولهم لعلّ قشّة من قيادة أو فصيل تلقى لهم، لعلّ صرخةً تجد طريقها إلى مسامع ثريّ لا يعرف أين يبذل ماله، فيشتري لهم تراباً يصمدون عليه، ولا يلبثون بانتظارهم طويلا، هم الذين لطالما سحبوا قشّتهم من ضفاف الأزمات بالعزيمة، واعتصروا من قوت يومهم ما يحفظ لهم وجودهم، سيواصلون نضالهم ورباطهم وحدهم، يبحثون عن سبل مقاومة هذا القرار وإيقافه، وإن لم تسعفهم صدورهم العارية في التصدي، سيجدون سبيلاً للالتفاف عليه.
ويظل المقدسيّون يبحثون بين مخالب الاحتلال عن خيطٍ يتسلّقونه عودةً إلى مدينتهم، رغم الألف مستحيل التي وضعها الاحتلال في دربهم، لعلهم يفلحون.
إنها القدس ، ومن يعرف القدس يموت بها عشقاً ، فكيف بأهلها المجبول ترابها بدمائهم وعَرَقهم وأحلامهم ؟
لن يسرقوا القدس من وعي المقدسيين ولو تفتّقت عقليتهم كل يوم عن ألف جريمة ؛ فالمقدسيّون جزءٌ من المدينة ، من أوجاعها وأحلامها ... من أنينها وابتسامتها ... من جغرافيتها وتاريخها ... من عَبقها ونقوشها ... بهم تحيا ، ومن دونها يموتون.


التعليقات : 0