الشيخ: نافذ عزام
لقد اهتم الاسلام اهتماماً كبيراً بالموضوع الداخلي، سواء تعلق الأمر بالفرد ذاته وطريقة بناء شخصيته وكيفية تصرفه تجاه القضايا والأحداث المختلفة، أو تعلق الأمر بالعلاقات بين الأفراد والتيارات ومكونات الأمة، فعلاقة المسلم بالمسلم، تمثل حجر الزاوية في بناء المجتمع والأمة، وهي تؤشر للحالة التي تعيشها الأمة.
إذ لا يمكن أن تستقيم أحوال الأمة، ولا يمكن أن تؤدي دورها الطبيعي، إذا اهتزت علاقة الأفراد ببعضهم، وإذا تشوشت المنظومة التي تربط المكونات ببعضها. فهناك قاعدة تحكم هذه العلاقة تستند إلى الأمر القرآني الواضح «واخفض جناحك للمؤمنين»، «إنما المؤمنون إخوة»، «وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون»، وكان هناك تحذير صارم من ارتكاب ما يمكن أن يهدم علاقة المسلم بالمسلم كجريمة القتل « من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما».
لا مصير اسوأ من هذا المصير الذي ينتظر من يعتدي على حياة أخيه ظلما وبغير حق، وقد تحدث الإسلام بهذه الصراحة حول العناصر التي تقوض تماسك المجتمع، وتهدد أمنه الداخلي، تأكيدا على أهمية الموضوع الداخلي وأهمية شبكة العلاقات بين الأفراد، وهناك توجيهات مستمرة بين النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص العلاقات وحتى المشاعر بين الناس يقول في إحداها «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا»، وشبك بين أصابعه.. هل هناك ما هو أوضح لتصوير علاقة المسلم بالمسلم –كالبنيان- والواجب أن يتخيل كل واحد فينا موقفه من أخيه بهذا الشكل من الترابط والتلاحم والتماسك.. لكن السؤال الموجع هل نحن كذلك اليوم؟ هل المؤمن مع أخيه كالبنيان؟ هل نحرص على مشاعر إخواننا وأعراضهم ودمائهم، وأموالهم، وحقوقهم، وفرص الحياة لهم؟، وقد ذهب النبي صلى الله عليه وآله سلم أبعد من ذلك «المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى ها هنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله».
النهي واضح هنا عن التحاسد والتباغض والتدابر ، بل ينهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنانية والرغبة في الاحتكار حتى في المعاملات التجارية اليومية، فالبخس يعني أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ولا رغبة له في شرائها، فقط بقصد أن يضرّ غيره ويورطه فيها ليزيد من خسارته.
لقد ألحّ الإسلام حتى على تصحيح المشاعر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وهنا يصل الإسلام بالإنسان إلى ذروة الصدق والتطهر والصفاء.. فأنت مطالب هنا ولست مخيراً بأن تحب الخير لأخيك وأن يملأ الحب قلبك تجاهه.. لسنا مخيرين أن نفعل ذلك أو لا نفعل.. الإسلام يطالب الفرد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة اليومية والآنية الصارمة..
أن حب المسلم لأخيه، وتمنى الخير له كما يتمناه لنفسه هو معيار الإيمان، وهو معيار الإيمان، وهو شرط لا بد منه لاستقامة العمل، وبصراحة وبمرارة، هل نعيش بهذه المشاعر، أم أن الأحقاد والكراهية هي التي تتحكم في عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا وكل مسالكنا.. كيف نتعامل مع المسلم الذي ربما يختلف معنا في قضية أو حتى في مئة قضية، ما هو شعورنا تجاه المسلم إن حمل اجتهادا مخالفا لنا؟، أو فكر بطريقة تختلف عن طريقة تفكيرنا، أو حتى طرح موقفا سياسيا يباين مواقفنا، هل يبقى أخا لنا؟، وهل نحب له ما نحب لأنفسنا؟، أم أننا نحرّض عليه ونشوّه صورته، ونتمنى أن تنشق الأرض فتبتلعه لنستريح منه؟!.
هل نتصرف تجاه بعضنا بهذه الرحمة والمودة؟ بهذا الحرص والحب وتمني الخير الذي أمرنا به الإسلام «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، أي أنك مأمور بالبشاشة مع غيرك، على اعتبار أن ذلك السلوك نوع من العبادة.. أي أنك مأمور بإظهار المودة لأخيك وليس فقط عدم إيذائه أو عدم الاعتداء عليه.
الإسلام يريد منك إظهار المودة والحب ليشعر الناس بالأمان والاطمئنان تعزيزا للجبهة الداخلية وتقوية لشبكة العلاقات الداخلية، وهذا ما قصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عندما قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، هذا هو المثال الذي يقدمه الإسلام للإنسان الذي يُفترض أن يكون مؤتمنا على هذا الدين وهذه القيم، وبهذا التوجيه فقط يمكن أن يُبنى المجتمع الذي ينهض بمهمة الحفاظ على حياة يأمن فيها الناس، ويتضامنون ويتعاونون لتحقيق أهداف خلق الإنسان وخلق الكون وكل الكائنات، وبدون ذلك، بدون امتلاك هذا النموذج والاقتداء بهذا الهدف وبدون تجسيد هذا الشكل من التراحم والترابط والمودة سنكون كمن يحرث في البحر.!


التعليقات : 0