متى وكيف يمكن للتهييج العاطفي أن يؤتي أكله؟!... جميل عبد النبي

متى وكيف يمكن للتهييج العاطفي أن يؤتي أكله؟!... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

أدرك تماما أن بعض اللحظات تحتاج حقيقة لشيء من التهييج العاطفي، خاصة تلك التي يتضاعف فيها الضغط الخارجي الموجه، الذي يحاول ابتزاز مواقف معينة، مستغلا ما أصاب الناس من وهن ووجع نتيجة هذا الضغط.

 

في مشهد كهذا تبرز الحاجة إلى تذكير الناس بأصول الحكاية، وحاجة أصحاب الحق إلى شيء من الصبر، من خلال تهييج عواطفهم في اتجاه كبريات قضاياهم، طبعا بالقدر الذي لا يفقدهم آدميتهم، ولا يقتل فيهم الرغبة في الحياة.

 

مع ملاحظة أن مفردة الصبر في حالتنا الفلسطينية والغزاوية منها على وجه الخصوص مفردة ممتهنة، وقد تم استنفاذ كل ما في جعبتها من قدرة على تسكين أوجاع الناس، خاصة وأنها استخدمت في غير موضعها، بمعنى: لم تعد الناس تطيق كثيرا سماعها أو ما يشبهها، ليس لأنهم يرفضون مبدأ الصبر، ولكن؛ لأنهم دفعوا إليه في غير ما يستحقه.

 

الفكرة التي أسعى لتوصيلها هنا كالتالي:

 

لا مانع من شيء من التهييج العاطفي لحشد همم الناس بغرض الالتفاف حول قضية تستحق منا ذلك، لكني أضع لهذا التهييج مجموعة من الشروط أرى أن عدم الالتفات إليها سيضاعف من الأزمة بدلا من علاجها.

  1. من المهم الا يصبح التهييج نمطا ثابتا يسيطر على آليات تفكيرنا وتعاطينا مع قضايا تحتاج لتفكير هادئ لا توفرها أجواء التهييج.

 

فليس كل قضايانا يمكن حسمها تحت وطأة الهيجان العاطفي، الذي من شأنه أن يعطل حركة العقل، بينما تحتاج منا معظم قضايانا لأقصى درجات التركيز والتفكير المنضبط.

 

فمع إقرارنا بأن لحظات بعينها تحتاج حقيقة لاستجلاب العاطفة الدينية والوطنية لحشد اكبر قدر من التفاعل مع القضية محل التركيز، إلا أن هذا لا يعني أن نستمر تحت تأثير العاطفة، حتى في القضايا التي تحتاج للتركيز العقلي.

 

في القرآن الكريم مثلا، وجدنا حالات بعينها تدعو النبي للجوء إلى التحريض « يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال»، ثم تدعوهم لئلا يلتفتوا لحظة المواجهة إلا إلى المواجهة حتى مع اختلال موازين القوة» كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة»، وكانت الآيات القرآنية تأخذ على بعضهم تقاعسهم في تلبية النداء ساعة المواجهة « يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل»، بل إن الآيات ذهبت إلى حد التهديد لحظة المواجهة لكل من تسول له نفسه بالهرب» ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير»

فتلك لحظات لا يمكن تجاهل حاجتها إلى التهييج العاطفي والديني، حيث لا يوجد ما يكفي من الوقت لغير الإقدام والتحدي.

 

بينما في غير لحظات المواجهة كانت الآيات تردهم إلى التأني والتدبر والبحث عن المعرفة ممن يمتلكها» فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»..» ولو ردوه إلى الله والرسول وأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم»، نحن إذن أمام حالات ليست متطابقة، بعضها يحتاج إلى الحضور العاطفي بأقصى درجاته، حيث لا متسع لمزيد من البحث والتساؤل، لكن بعضها لا بد وان يتم اللجوء معه إلى البحث والاستنباط العقلي ايضا بأقصى درجاته.

 

  1. أيضا إن شعر الناس أن دفعهم لتبني مواقف عاطفية معينة، تحتاج منهم لتضحيات كبيرة في قضايا لا تستحقها، فإن ثقتهم بغرض ما يمكننا أن نطالبهم به في قضايا حقيقية ستنعدم، ما يعني أن علينا ألا نستنفد طاقتهم في غير موضعها، ولعل هذا على وجه التحديد ما يدفع الغزيين إلى عدم التفاعل مع دعوات الصبر، التي باتوا يتندرون بمطلقيها ويستهزئون بجدواها، حيث أوشكوا على اليقين أن صبرهم طوال السنوات الماضية لم يكن حقيقة من اجل القضايا الكبرى ولا في سبيلها، وإنما ثمنا لصراع بغيض على سلطة مشوهة تحت الاحتلال، وهذا ما يمكنهم التدليل عليه بمئات الشواهد.

 

الغزيون يدركون أن الكثير مما يعانونه لا علاقة مباشرة له بتحديهم للاحتلال، حيث اظنهم ورغم كل ما أصابهم من الضيق لا يزالون مستعدين لمزيد من الصبر، إن اقتنعوا فعلا أن هناك ما يستحق الصبر، لكن مشاهداتهم اليومية وقراءاتهم السياسية تقول صراحة: أن بعضا من معاناتهم جلبها الانقسام، الذي لا يأتي في سياق المواجهة مع إسرائيل، وإنما في سياق التنافس على تصدر المشهد السياسي والسلطوي، ومن ثم تحقيق بعض المكتسبات المادية، في اللحظة التي يعاني منها الناس من الفقر والبطالة وانعدام كل سبل الحياة الكريمة.

 

  1. وحتى يقدم الناس على الصبر، او بالأصح حتى نتمكن من حشد عزيمتهم وتجييشهم على مزيد من التحمل، فإنهم يحتاجون لأن يتأكدوا أن من يدعوهم إلى الصبر عليه أن يكون على رأس الصابرين، تماما كما ربط النبي عليه السلام على بطنه حجرين، بينما كان أصحابه يربطون حجرا واحدا، أما إذا رأوا- وهم يرون ذلك فعلا- أن من يسعى لتهييج عواطفهم ودفعهم نحو بذل المزيد لا يشاركهم ما يدعوهم إليه، فبالتأكيد لن يقبلوا منه دعوته، وستكون دعواته دافعا من دوافع الإحباط، لا دافعا من دوافع الصمود.

 

إن وجود القيادة في مقدمة المعاناة سيضمن إقداما شعبيا فطريا نحو مزيد من الصبر، بينما لن تصلح ديمغاوجيا المترفين لإقناع الناس ان هناك ما يستحق أن يضحوا من أجله.

 

ختاما: من المهم ان نلتفت إلى صعوبة الواقع الذي يعيشه الناس، حيث من الواضح أن شعورا كبيرا بالألم يسكن تفاصيلهم، سيحولهم- على اقل تقدير- إلى سلبيين لا يتفاعلون حتى مع اهم القضايا الوطنية والسياسية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق