د. أحمد يوسف
قبل عقد من الزمن، كان لقائي الأخير بالأخ والصديق الحبيب د. رمضان شلح (رحمه الله) في بيته بحي المزة الدمشقي، والذي سبقه الكثير من اللقاءات والجلسات الحوارية في بيروت وواشنطن وطهران، حيث كانت تجمعنا القضية الفلسطينية على مائدة المؤتمرات الإسلامية، باعتبارها قضية الأمة المركزية، وكانت تتضافر الجهود في معسكرنا نحن الإسلاميين لوضعها على صدارة أجندات تلك المؤتمرات وندوات الحوار.
لقد سمعت أول مرة عن د. رمضان شلح (أبو عبد الله)في أوائل الثمانينيات كأحد الشخصيات الوازنة في التيار الجهادي، الذي كان د. فتحي الشقاقي يعمل على تأسيسها، بعد خلافه مع حركة الإخوان المسلمين الذي مثَّل –آنذاك- أحد أبرز قياداتها الشبابية.
كان الشهيد د. فتحي الشقاقي خلال سنوات دراسته في الزقازيق بمثابة المرشد الروحي والملهم والمفكر الذي تأثر به د. رمضان، وتشكلت في ظل حواراته معه كل قناعاته على مستوى الرؤية لمشروع الجهاد والمقاومة.
في الزقازيق كان البذار، وفي غزة نبت الغرس وتفتحت الأزهار، حيث آثر د. الشقاقي الابتعاد عن نهج الإخوان، حيث تعارضت رؤيته النضالية التي تدفع بالتعجيل نحو العمل العسكري المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، ونظرة شيخه الأستاذ أحمد ياسين (رحمه الله) الذي كان يؤثر الانتظار لحين توفر الظروف والإمكانيات البشرية والمالية لانطلاق العمل الجهادي المقاوم.
كان د. رمضان من أشد الداعمين لمرشده د. فتحي الشقافي، حيث كانت تجمعهما الكثير من القناعات الفكرية والقدرات الموسوعية وحبهما لقراءة الشعر والأدب، والتي أوجدت بينهما أكثر من مساحة للقواسم المشتركة، التي أسهمت في تحقيق التناغم الكبير بينهما.
كان د. رمضان شلح خلال سنوات عمله بالجامعة الإسلامية صوتاً هادراً ارتكزت على قوته حركة الجهاد في بداية تأسيسها، وحظيت بالكثير من الكسب بين طلاب الجامعة الإسلامية. لم تخل تلك السنوات من صراعات بين الإسلاميين، حيث كان التنافس لإثبات الذات والحضور في المشهد الوطني يخلق احتكاكاً كان أحياناً ينحرف عن مساره بشكل سلبي، واستمر هذا المناخ حتى خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، وإلى سنوات لاحقة بعدها.
من المعروف عن د. رمضان شلح (رحمه الله) أنه كان يمتلك حنجرة وقدرات أدبية وحسن بيان، وقد اشتهر بخطبه الجهادية التي أثارت غضب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فقامت بفرض الإقامة الجبرية عليه، ثم منعته من العمل في الجامعة. في عام 1986، غادر فلسطين إلى لندن لإكمال دراساته العليا، وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة درم عام 1990، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عمل أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة تامبا، إحدى جامعات ولاية فلوريدا بين 1993 – 1995م. كما كان أحد المؤسسين لـ»مركز دراسات الإسلام والعالم» مع د. سامي العريان، ومحرراً للمجلة الفصلية (قراءات سياسية).
شهادة للتاريخ..
في عام 1994، التقينا كمجموعة من قيادات العمل الإسلامي في أمريكا، وحاولنا العمل على جمع الشمل بين حركتي فتح وحماس؛ باعتبار أن ما تفرقنا بسببه كإسلاميين في مطلع الثمانينيات لم يعد له وجود، حيث التحم الجميع في معركة المناجزة العسكرية مع الاحتلال، وقد توافقنا على أنه قد آن الأوان لأن نتوحد خلف قيادة واحدة، وأن نضرب الذكر على سنوات كان التنائي فيها بديلاً عن تلاقينا. في الحقيقة، كان د. رمضان شلح وكذلك د. موسى أبو مرزوق، ومن شاركنا اللقاء - آنذاك - من الشخصيات الإسلامية الفلسطينية على قلب رجل واحد حول ضرورة التسريع بتوحيد الصف والبندقية معاً. وبناء على مخرجات ذلك اللقاء تم التواصل مع قيادة كل من الجهاد الإسلامي وحركة حماس، إلا أن اغتيال د. فتحي الشقاقي في مالطا بتاريخ 25 أكتوبر 1995، واعتقال د. موسى أبو مرزوق في 25 يوليو 1995ودخوله السجن لعامين قادمين، وضع هذه التفاهمات على الرف لحين ظهور متغيرات جديدة تستدعي تحريكها من جديد.
فوز حماس بالانتخابات...
بعد أن فازت حركة حماس في الانتخابات التشريعية يناير 2006، وتصدرت مشهد الحكم والسياسة، تعالت لغة الدعوة لاجتماع الشمل الإسلامي في إطاراته الجهادية، حيث شكَّل هذا الفوز دعماً لنهج الجهاد والفعل المقاوم. في سوريا وخلال أكثر من لقاء مع د. رمضان وإخوانه في المكتب السياسي أعدنا طرح الفكرة التي تداولناها سابقاً ثم توقفت، والآن فإن قيادة الحركتين متواجدة في دمشق، وهذا ما يسهل معاودة الحوار، حيث نضجت الظروف ولم يعد هناك ما يبرر استمرار وجود تنظيمين خرجا من مشكاة إسلامية واحدة، وما بينهما من توافق الرؤية والأهداف ما يعزز سرعة اللقاء وتحقيق الوحدة.
للأمانة لم أشهد من د. رمضان إلا مواقف إيجابية شجعتني لنقلها لأخي د. موسى أبو مرزوق والذي ذكر لي أنه يعمل مع د. رمضان لإنجاز ذلك.
لقد سمعت من د. موسى الكثير من الثناء على د. رمضان، وأنه متعاون معنا في معالجة كل نقاط الخلاف لتمهيد الطريق لإنجاز ذلك.. وفعلاً؛ انعكست تلك اللقاءات والتفاهمات والعلاقات الإيجابية التي طورها د. رمضان مع إخوانه في حركة حماس وأثمرت مستويات عالية من التنسيق العسكري فيما يسمي بـ «غرفة العمليات المشتركة»، إضافة إلى التعاون في باقي المجالات السياسية والإعلامية والفعاليات الوطنية والدينية.
وأضاف كذلك: إن على الفلسطينيين ألا يكونوا جزءاً من أيِّ صراع عربي عربي، وظل كذلك حتى غاب وعيه، وطوال سنوات ما كان يسمى بالربيع العربي ظل ينقل خطواته في حقل ألغام، وكان دائماً لا يستجيب لمحاولات حرفه لأن يتنازل عن فكرة أن الطريق إلى فلسطين لا تمر عبر نزاعات العواصم العربية الأخرى، ففلسطين طريقها أوضح من أن يوضح.


التعليقات : 0