مرايا .. كتبها: (محمد الفاتح)*
بتاريخ 1994/10/21
لا تطمح هذه الصحيفة إلى ما يفوق إمكانياتها، فهي ببساطة تريد أن تكون الذاكرة ضد النسيان الزاحف إلى عقولنا، ويكاد يوصلنا إلى غيبوبة اختيارية لم تسبق في التاريخ.
حتى كتابة هذه السطور، ما زالت المطابع تقذف يومياً بملايين الصفحات من الإعلام العربي والإسلامي الرسمي، عدا عن المرئي والمسموع؛ لتمارس دورها الروتيني، في حقن عقل الأمة وضميرها بعقاقير النظام الدولي الجديد، التي سيظهر طفحها ومضاعفاتها على الجسد الفلسطيني في مختبر الحكم الذاتي.
يرتكز التوجه الإعلامي العربي الرسمي في هذه المرحلة، على أربعة عناصر أساسية، الأول: تضخيم حجم القوة والهيمنة الأمريكية على العالم والاسرائيلية على المنطقة، الثاني: إشاعة أجواء اليأس والإحباط؛ لتهيئة الإنسان العربي؛ للتسليم بالأمر الواقع، والقبول بالاختراق الاسرائيلي للمنطقة؛ كقدر لا يقاوم، ثالثاً: استبدال أعداء الأمة الحقيقيين بأعداء وهميين، بإعلان الحرب على الحركات النهوضية والاستقلالية المتمثلة في الحركات الاسلامية (الأصولية).
وأخيراً، تكريس الارتباط بالغرب، وإدخال النمط النمط الغربي في التفكير والحياة إلى مجتمعاتنا.
إن أية صحيفة تختار لنفسها أن تصدر خارج هذا السياق، تستحق التهنئة وبجدارة ومن العدد الأول.
فتهانينا لـ"الاستقلال"، تهنئة تتجاوز معناها التقليدي، وتستشرف موقعاً متميزاً لها في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية لشعبنا وأمتنا.
ببساطة، نأمل من "الاستقلال" أن تمثل مشروع النجاة من الإبادة لشعبنا وقضيتنا، وأن تطرح الرؤى والأفكار القادرة على صياغة وإنجاز دور الأمة، في تحرير واستقلال فلسطين على مستوى تفاصيل الشكل والمضمون، فالأفكار والشجون كثيرة.
وإن كنت قارئاً وكاتباً لـ"الاستقلال" أتمنى أن أرى فيها بُعداً ثقافياً وجماليةً تُخفف من عُبوس أخبار المرحلة وثقلها على القلب، فإنني أسجل ثلاث ملاحظات، أولاً: أن تهتم "الاستقلال" بإجراء المقابلات السياسية حول القضايا الاستراتيجية المطروحة فلسطينياً وعربياً وإسلامياً.. يجب أن لا نغامر بضياع الحقيقة في دوامة ما يصدر عن المعلقين السياسيين من تحليلات وتفسيرات، ومن حق القارئ أن يسمع مباشرة رأي المسؤولين من كل الاتجاهات وبألسنتهم. ثانياً: أن تُبدي "الاستقلال" اهتماماً حقيقياً بالشؤون الحياتية والمعيشية لشعبنا وأمتنا.. يجب أن لا ننشغل بالعناوين السياسية (الكبرى) العابرة على حساب القضايا (الصغرى) المترسخة والمزمنة، مما يعانيه شعبنا من مشاكل وقضايا تستحق كل عناية واهتمام، وفي هذا الإطار أتمنى أن تهتم "الاستقلال" بإجراء الاستطلاعات الميدانية لاستكشاف هموم وتطلعات الرأي العام، بعيداً عن تجييره لصالح هذه الفكرة أو تلك.
وأتمنى أخيراً، أن أرى "الاستقلال" ساحةً مفتوحةً للجميع، تتدافع فيها كل الرؤى والأفكار في مجتمعنا وأمتنا والعالم، "ولولا دفع الله الناس ببعضهم البعض لفسدت الأرض".
- محمد الفاتح، الاسم الحركي للراحل الكبير الدكتور رمضان عبد الله شلّح


التعليقات : 0