جميل عبد النبي
لا يمكن لأي مؤرخ أن يتصف بحيادية مطلقة تشبه حيادية علماء الطبيعة.
علماء الطبيعة يسجلون مشاهدات عينية ونتائج لتجارب عملية، بعيدا عن العواطف أو الأحكام المسبقة، بخلاف المؤرخ الذي تبدو آثار مجموعة كبيرة من العوامل في صياغاته.
سأضرب هنا مثالا لأثر الخلفيات المسبفة على صياغة صورة لحادثة واحدة، وكيف يمكن أن تؤثر تلك الخلفيات على إخراج صور ليست متشابهة، رغم أنها تتناول نفس الحادثة.
الحادثة هي: الاقتتال الفتحاوي الحمساوي عام 2007م.
الصورة الأولى: رفضت سلطة فتح التي خسرت في انتخابات 2006م التسليم بالواقع الجديد الذي أفرزه فوز حركة حماس، وشرعت فور تشكيل حماس للحكومة بوضع العراقيل سعيا لإفشال حكم حماس، بواسطة أجهزتها الأمنية، التي رفضت الانصياع للحكومة الجديدة، مما اضطر حماس لتشكيل قوة تنفيذية من مقاتلي جناحها العسكري، ومن ثم اضطرت للجوء إلى حسم الصراع عسكريا لإنهاء حالة الفوضى التي عمت قطاع غزة، والتي تسببت بها الأجهزة الأمنية المتمردة على نتائج الانتخابات.
الصورة الثانية: فور تشكيل حركة حماس للحكومة عقب انتخابات 2006م، شرعت في تشكيل قوة تنفيذية من عناصرها المسلحين، لتحل محل الأجهزة الأمنية، بذريعة عدم انصياع هذه الأجهزة للحكومة الجديدة، مما أدى إلى تفاقم حالة الصدام بين الأجهزة الامنية والقوة الجديدة الصورة الثالثة: فور تشكيل حركة حماس للحكومة الجديدة التي أعقبت انتخابات 2006م بدا واضحا أن هناك حالة من عدم الانسجام بين طرفي المعادلة السياسية الفلسطينية، تطورت تدريجيا إلى حالة من الصدام المستدام بين الطرفين، وبذرائع كان يمكن احتواؤها، إلا أن كلا من فتح وحماس- على ما يبدو- قررتا خوض معركة كسر العظم لتثبيت سلطتيهما، من خلال مواجهات شبه يومية، لجأ خلالها الطرفان إلى العنف والعنف المضاد، والذي اسفر عن قتل المئات من الطرفين، حتى وصلا إلى حالة من استحالة التوافق، ومن ثم قررت حماس حسم المعركة عسكريا، واستطاعت بالفعل إحكام سيطرتها على مواقع الاجهزة الامنية الحساسة، ومن ثم انهيار السلطة عمليا في غزة، وتسلم حماس الكامل لكل مقاليد السيطرة على القطاع.
ستكتب هذه الصيغ أو ما يشبهها في كتب التاريخ المعاصر، وسيدخل اللاحقون في دوامة أي الأطراف كان على الحق، وسيختلفون ولعلهم سيقتتلون على صيغ تاريخية لم تكن أبدا متجردة من المواقف والخلفيات المسبقة، كمجرد مثال على المؤثرات التي تمنع وصول حقائق التاريخ كما هي.
اختياري لهذا المثال تحديدا ينبع من كونه مثالا عايش أحداثه كل البالغين هنا في فلسطين، ولا زلنا نتأثر بتبعاته، وأيضا كونه حدث في لحظة تاريخية تتوفر فيها أدوات للتوثيق تفوق بآلاف المرات تلك التي كانت متوفرة منذ قرون، ومع ذلك من الصعب أن نضمن تأريخا محايدا ينقل الصورة كما هي.
ينطبق هذا بالضرورة على ما سيؤرخ لأحداث المنطقة العربية بالكامل، حيث سيروي كل مؤرخ أحداثا ينتصر بها أو بطريقة عرضها لمواقفه المسبقة.
السؤال: هل ينطبق هذا المنطق على ما وصلنا من مدونات تاريخية للأحداث القديمة في تاريخنا؟ أم أن علينا أن نفترض نزاهة وحيادية لا نستطيع إثباتها في المؤرخين القدماء؟
لا يعني هذا أبدا أن علينا أن نحرق كل كتب التاريخ مثلا!!! وإنما ألا نتمترس كثيرا حول بعض مروياتها، فنمنحها مصداقية ويقينا قد لا تستحقه.
هذا يعني أيضا وبالضرورة وقف هذا الجدل البائس حول أحداث تاريخية، لسنا مطلعين بما يكفي على تفاصيل مجرياتها بشكل مجرد، ولا على حقيقة دوافع شخوصها، حيث لا سبيل لذلك الآن، ولا نملك وسيلة علمية حقيقية قادرة على الوصول إلى اليقين.
صحيح أن القرآن الكريم طالما دعانا إلى الاستفادة من أحداث التاريخ، لأخذ الدروس والعبر وتجنب تكرار الأخطاء، لكنه أيضا لم يطلب منا أن نعيد تمثيل الأحداث التاريخية، ولا أن نسعى لتقمص ذات الأدوار التاريخية، حتى لا نفسد واقعنا الذي هو مسئوليتنا الحقيقية، وليست تلك الحقب التاريخية التي عاشها غيرنا، فمثلا تجد القرآن يأمرنا بدراسة أحداث من سبقنا» قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين»..» أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها او آذان يسمعون بها..... « وغيرها من الآيات القرآنية، التي تدعونا للاستفادة من تجارب السابقين، لكنه كان حاسما في عدم تحميلنا مسئولية من سبقنا، وإنما علينا أن ندير حياتنا ونتحمل مسئولية ما كسبته ايدينا» تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون».
ختاما: من المعيب أن نظل أسرى لأحداث تاريخية، نقتتل باسمها، ونرفع ذات راياتها، بينما في الحقيقة لا يملك اي منا صورة دقيقة لحقيقة ما حدث، وإنما مجرد انطباعات ليست محايدة على وجه اليقين، ومن ثم ندمر واقعنا ومستقبلنا، فيما تنطلق كل الأمم من حولنا إلى آفاق مستقبلية بات يفصلنا عنها مئات السنين الضوئية.


التعليقات : 0