الشيخ : نافذ عزام
لا شيء أسوأ من عدم قدرة الإنسان على الاستفادة من طاقاته أو عدم قدرته على توظيفها بالشكل الصحيح، لا شيء أسوأ من جهل الإنسان بما يمتلكه من عناصر قوة، وأن أدركها أبقاها معطلة، ولم يتعامل معها بجدية ومسؤولية، هذا الأمر لا يكون شيئاً جيداً للفرد الذي يعطل طاقاته، أو يجهلها، أو لا يستخدمها بشكل الصحيح والإيجابي والفعال، فكيف إذا تعلق الأمر بالشعوب والأمم، عندها تتحول المسألة إلى كارثة، وتتسع دائرة المعاناة ليشمل الملايين من البشر.
باختصار شديد ينطبق هذا المثال على الأمة العربية والإسلامية التي تمتلك كل مقومات الصعود والنهوض ومقومات تستند إلى الأيديولوجيا والتاريخ وتدعمها تجارب عاشتها الإنسانية، وحققت في ظلها أفضل مراحل العدل والأخلاقية والتوازن، وقادت خلالها البشرية لتحقيق أهم الإنجازات الحضارية والعملية والاجتماعية والإنسانية، قبل أن تتراجع ويضمحل حضورها، وتفقد تأثيرها وفاعليتها.. والمشكلة أن العوامل والعناصر الملهمة والمؤثرة موجودة، طالما أن النص القرآني موجود، وطالما أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته متاحة لكل مسلم، وطالما أن الإرث الذي تركه العلماء والفقهاء والأئمة والمصلحون والمفكرون بين أيدينا وفي مكتباتنا.. تبقى المشكلة في كيفية التعاطي مع هذه النصوص وهذا الإرث، وفي امتلاك الإخلاص والجدية لاستنباط الأحكام وصيانة البرامج التي تنهض بالأمة، وتحمي قيمها وأخلاقها وتقدم الإسلام بصورته الحقيقية الكبيرة أيديولوجيا وتاريخيا للقدس والمسجد الأقصى.. فما الذي حصل؟
لقد فوجئت إسرائيل برد الفعل الجماهيري والشعبي وبالذات من المقدسيين بكافة شرائحهم وتوجهاتهم، وقد تعدت المسألة حالة الالتزام الحركي إلى استنفار الشارع كله، حيث بات الشاب الفلسطيني الحداثي يشعر أن إجراءات إسرائيل تهديد له ولأهله ولشعبه وتاريخه ومشاعره، وهذا أمر في غاية الأهمية، وفقد خرجت المواجهة عن الشكل الفصائلي والنخبوي بانخراط الفتية والنساء والشيوخ وحتى الأطفال في هبة حماية المسجد الأقصى ومنع إسرائيل من أمتهان الكرامة وافتقاد المقدس وحتى في الدول العربية والإسلامية التي سمح فيها بالتظاهر والتضامن مع المسجد الأقصى بدت هذه الروح واضحة .. واكتست الهبة بهذا الشكل الشعبي والجماهيري وهو الأمر، الذي يرعب إسرائيل والتي حاولت طوال الوقت منع حدوثه.
لم يكن الأمر مكلفاً، ولم يحتج إلى كثير حشد و تعبئة سياسيا أو إعلامياً .. الناس تملك هذه الروح طوال الوقت، والجماهير لم تفقد ثقتها بالإسلام في أية لحظة، لكن الأداء السيء والمشوش للحكومات والدول والتيارات المعارضة أيضاً هو الذي أحدث الارتباك في حياة الناس، وأبعدهم عن الإسلام العظيم، وآية حركة الجماهير وروحها استعداد كل القطاعات والشرائح للانخراط في حملة الدفاع عن الأقصى ورمزيته وقداسته تمثل أفضل وأروع مثال على عناصر وعوامل القوة والصعود والنهوض ولو تم البناء على ما حصل فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ، فإن أشياء كثيرة ستتغير، وستكون تلك البداية الصحيحة للخروج من حالة الجمود التي تحكمنا، وسيتأكد الجميع من أن البركة التي أشار إليها القرآن في سياق الحديث عن المسجد الأقصى واكنافه يمكن أن تحقق ما يظنه الناس مستحيلاً ، وستتأكد جميعاً أن الموقف الصحيح من القضية الفلسطينية يمثل بداية الحل لكل المشاكل والأزمات التي تواجه الأمة فهل نستفيد من هذه الفرصة المعجزة؟!


التعليقات : 0