بقلم: راغدة عسيران 1/2
في كلمات تأبين القائد المجاهد رمضان عبدالله شلّح، ذكرت العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية أن الأمة العربية والإسلامية خسرت قائدا مجاهدا ومفكرا فذا برحيله يوم 6 حزيران/يونيو 2020 بعد صراعه مع المرض، وكان قد تسلّم قيادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لمدة 23 سنة (1995 – 2018).
لم يؤلف الدكتور رمضان إلا كتابا واحدا "الأسس والمفاهيم الإسلامية" في العام 2018، ولكن شكّلت المحاضرات التي ألقاها إحدى الوسائل لنشر المنظومة الفكرية التي ساهم في بلورتها، كما كانت تعتبر المقالات والدراسات التي كتبها في نشرات الحركة والتي تناولت موضوعات كثيرة، ومنها الحركة الإسلامية المعاصرة، من أهم إنجازاته الفكرية. يضاف اليها المقابلات مع الصحافة المكتوبة والمرئية، والخطب التي ألقاها في مناسبات عدة، حيث كان يحلّل الوضع السياسي والجيوستراتيجي في المنطقة، ويحدّد الموقف منها، لترتسم ملامح إنتاجه الفكري بكل تجلياته.
تكمن أهمية هذا الإنتاج الفكري بأنه انطلق من الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحديدا ومن جهاده لتغيير هذا الواقع، من خلال تنظيم شارك في تأسيسه وقاده في فترة صعبة، وهي فترة ما بعد اتفاقيات "أوسلو" التي فتحت أبواب التطبيع العربي مع كيان العدو، ونقلت القضية الفلسطينية من أحضان الأمة الى أحضان المجتمع الدولي المتواطئ مع العدو. وخلال انطلاقه من الواقع، استحضر ثقافته الدينية والتاريخية والأدبية والانسانية بشكل عام، العميقة والغنيّة والمتشعّبة، ليربطها بهذا الواقع ويحييها ويطلقها من جديد لتصبح أرضية صلبة ومتحركة في آن واحد، تستمد قوتها وصلابتها من إرث الأمة العظيم، وتتحرك مع الواقع لتطرح المبادرات والحلول لأزمات تعصف بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية.
أصدرت "مؤسسة الأقصى الثقافية" في العام 2018 كتاب "الإسلام والغرب: جدل الصراع في التاريخ والواقع" للدكتور رمضان عبد الله شلّح، وهو في الأصل محاضرة ألقاها القائد الراحل بعد العام 2001، حين شنّت الإدارة الأميركية حربها على ما سمته "الإرهاب"، وخاصة "الإرهاب الإسلامي".
تبرز في هذه المحاضرة عدة سمات في فكره الخصب الذي أنتج جيلا واعيا من المجاهدين، واثقا بحتمية النصر على الأعداء. يتميّز هذا الفكر بأنه يعتمد على ثقافة واسعة وتفكير عميق، وعلى وضوح الرؤية، والموضوعية في الطرح. في هذه المحاضرة التي تنتقل من الأندلس الى الدولة العثمانية، مرورا بالحروب الصليبية والغزو التتري، يكتشف القارئ الثقافة التاريخية الدقيقة التي تمتع بها القائد الراحل، وإلمامه الواسع بتاريخ الأمة وتاريخ الأمم الأخرى. والملفت هو قدرة المفكّر على الإيجاز والتفصيل في آن واحد، الإيجاز بعرض تاريخ امتد على مدى قرون من الزمن دون تسطيح العرض، بل على العكس، إذ تخلّله وقائع معيّنة وتواريخ محدّدة، وتداخل فيه وصف لشخصيات كثيرة، إسلامية وغير إسلامية، أو حتى أقوال لبعضها للتأكيد على فكرة أو حادثة ما. فإضافة هذه التفاصيل، إن كانت في وصف شخصية أو سير معركة أو وصف حالة، تنعش العرض التاريخي الذي قد يكون جافا أحيانا، وتساعد القارئ أو السامع على التركيز وتجسيد الفكرة في ذهنه.
السمة الأخرى التي تبرز في المحاضرة، هي اهتمام القائد رمضان شلّح على وضوح المصطلح الذي يستخدمه، لأن وضوح الفكرة تكمن في تحديد المصطلح تحديدا دقيقا، لا لبس فيه. قبل الشروع في موضوع المحاضرة، يحدّد ماذا يعني بمصطلح "الغرب" ويعدّد مكوّناته، كما يرسم حدود الموضوع الذي سيتكلّم عنه، إذ يقول أنه لم يتناول مسار الإسلام الداخلي، رغم أهميته، بل مساره الخارجي بالعلاقة مع الغرب، "ونحن ندرك أن العامل الخارجي والعامل الداخلي، في حركة نمو الإسلام وتطوره، مرتبطان ويؤثر كلاهما في الآخر".
أمثلة كثيرة تدلّ على الأهمية الخاصة التي أولّاها لاختيار المصطلح المناسب، كون المصطلح الدقيق يغرس الفكرة في الذهن. يعارض مثلا "محمد الفاتح" (الاسم الآخر للدكتور) مصطلح "مصادرة الأرض" الشائع في الأدبيات الفلسطينية والعربية، لدى الحديث عن ممارسة الكيان الصهيوني، بقوله: "إن استخدام تعبير «مصادرة» لوصف النهب الصهيوني لأراضي القدس، فيه مغالطة، حيث يوحي بأن الفاعل جهة اختصاص قد يكون من حقها ذلك، مثلما تصادر أية دولة أو سلطة «محترمة» ممنوعات معينة. إن ما يحدث لأراضي القدس سرقة ونهب وليس مصادرة. "(وكفى الله العرب شر «القمة»! محمد الفاتح، المستقبل، العدد (24) 27/5/1995). فاختيار المصطلح الدقيق لوصف حالة معيّنة يعبّر عن وضوح الفكرة، بعيدا عن الضبابية والتلميحات التي قد تفسّر بطرق مختلفة.
وفي هذه المحاضرة الغنيّة، أضاف الدكتور القائد مصطلحات جديدة، عند حديثه عن عواقب سقوط الأمة في صراعها مع الغزوات الأجنبية. فيميّز بين "زوال الملّة" التي تمت في الأندلس، حيث كان التطهير العرقي والديني بحق المسلمين، و"زوال الدولة" ومنها الخلافة الإسلامية، و"زوال الهوية"، عندما تسلخ الشعوب" عن إسلامها ودينها"، وهي أشكال الزوال التي عانت وتعاني منها الأمة، ولكل شكل تداعياته على مسارها.
سمة أخرى في فكر القائد المفكّر هي الموضوعية لدى عرضه المسائل، ومنها تاريخ الأمة، بإخفاقاتها ونجاحاتها. في سرده لبعض جوانب تاريخ الأندلس، أو الغزو المغولي، والصراعات بين الصفويين والعثمانيين والمماليك، لم يخف المؤامرات والمذابح والقتل داخل العائلات الحاكمة، تماما كما ذكر بكل دقة وأمانة المذابح التي تعرض لها شعب مصر خلال غزوة نابليون، وكيف قاتل المقاومون ضد الغزوات الأجنبية.
تلتقي هذه السمات وغيرها لفكر الدكتور القائد لتؤدي الدور الذي سعى اليه، وهو توعية الجماهير العربية والإسلامية بواقعها وتاريخها وعقيدتها الجامعة، وفقا للأسس الثلاثة التي تبنّتها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين: الإيمان والوعي والثورة. تمنح الموضوعية مصداقية للكلام الذي يصدر، ويوضّح المصطلح المناسب الفكرة التي تصل الى عقل ووجدان المتلقي، وتهزّ أعماقه وتخترق ما تكدّس لديه سابقا من أفكار مغلوطة تمنعه من رؤية الحقيقة، وتساعد قدرة الإيجاز والتفصيل معا على التقاط الفكرة الرئيسية التي يراد لها أن تتوضّح وتنمو في عقول جماهير الأمة.


التعليقات : 0