بقلم: راغدة عسيران 2/3
مضمون المحاضرة – الكتاب
يطرح الدكتور رمضان ثلاثة أفكار رئيسية في محاضرته: عداوة الغرب للإسلام وحروبه على المسلمين عبر التاريخ، مواجهة المسلمين للغزاة، إما بالوحدة والمقاومة والانتصار عليهم، إما بالانقسام والصراعات الداخلية والسقوط أمامهم، والأسباب التي أدّت الى "ضياع فلسطين".
لتوضيح هذه الأفكار، يوجز المفكّر مسيرة الأمة الإسلامية مركزا على بعض محطاتها بعلاقتها مع الغرب ويستخلص بعض دروسها، بعد توضيحه مصطلح "الغرب": "أما في المعنى الاصطلاحي، فالغرب اليوم هو منظومة كاملة وكتلة حضارية عملاقة، فيها دول وحكومات وشعوب وجيوش ومنظمات وبنوك وشركات وأسواق عالمية، وفوق هذا والأهم هناك "الثقافة الغربية" ومنظومة القيم الغربية بكل مخزونها وإرثها الديني والتاريخي، وإمكاناتها وأدواتها الحديثة والمعاصرة".
العداء الغربي للإسلام ليس طارئا ولم يبدأ بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001، بل "هناك تأصيل فكري وطرحت نظريات تبرّر العداء والكراهية للإسلام". هذا ما حاول المحاضر شرحه، من خلال الحروب التي شنّها الغرب لأسباب دينية، والتعامل مع المسلمين عبر العصور الماضية. انطلق من الوضع السياسي العالمي بعد الألفية الثانية والهجوم الأميركي (والغربي عموما) على الإسلام والمسلمين ليعود الى التاريخ، من الأندلس في الغرب الى الحروب الصليبية والزحف التتري في الشرق، ويعود الى سقوط غرناطة في العام 1492، وصعود الدولة العثمانية من جهة أخرى، لينتهي الأمر في إزالة الخلافة العثمانية و"ضياع فلسطين" وتجزئة الوطن، وقبل ذلك، الهجمة الغربية الحديثة مع نابليون التي أسست للتغريب الفكري.
فأشار الى طبيعة "الغرب" الذي 1) لا يتحمّل منظومة فكرية أخرى في دياره، 2) وينقض الاتفاقات التي يوقعها. يقول: "مأساة الأندلس ظهرت في معاملة "النصارى" للمسلمين، حيث نقضوا الاتفاقات الموقعة حول "احترام حقوق المسلمين بصيانة دينهم وأرواحهم وممتلكاتهم وحريتهم" وانتهت بعملية "تطهير ديني وعرقي لأسبانيا (المقدسة) التي لم تحتمل التعايش مع أي ديانة أو ثقافة مختلفة.". 3) ولم يحترم الغزاة الصليبيون أعراف أو قوانين الحرب التي كانت سائدة في العصور الوسطى، فقتلوا أكثر من ثلاثة آلاف أسير مسلم يوم سقوط عكا في 12 حزيران/يونيو 1191 م. وهي أيضا طبيعة الغزاة الذين جاؤوا من الشرق، التتار أو المغول وهم "صحراويون وثنيون كانوا يعبدون الأوثان والشمس والكواكب... وهم دمويّون في طبعهم، يحبّون الحرب والسلب والقتل وسفك الدماء"، والذين ارتكبوا أفظع المجازر بحق المسلمين والبلاد التي دخلوا اليها.
من خلال سرده لبعض محطات تاريخ الأمة، يبيّن المحاضر عوامل التراجع والتدهور والسقوط أمام الهجمة الغربية، أهمها عامل الانقسام والحروب الجانبية والتشرذم داخل الأمة، كما ظهر ذلك جليا في الأندلس، وأيضا في الحروب العثمانية – الصفوية من جهة وبين العثمانيين والمماليك من جهة أخرى. فيقول حول الحروب العثمانية – الصفوية: "كانت حروب الدولة العثمانية مع الصفويين نموذجا لاستنزاف القوة الإسلامية لصالح الأعداء الذين يتربصون بالإسلام وأهله". وفيما يخص الأندلس، "يعيد التاريخ سبب الانهيار الى أهل الأندلس أنفسهم، وإلى تفككهم وانقسامهم الى طوائف وملوك، وإلى صراعاتهم وتحالفاتهم مع الصليبين ضد بعضهم البعض،...". مذكرا بـ"زحف جيش غرناطة المسلم مع الجيش الصليبي في "عاصفة" حربية، ليحاصروا أشبيلية المسلمة، حصارا دام ثمانية عشر شهرا!"
أشار الى تداخل المسارين الخارجي (مواجهة الغزاة) والداخلي، في كلا الحالتين، الوحدة والانقسام، وتأثيرهما على مجريات الأمور. فكانت معارك التحرير طريقا للوحدة، بعد أن "نهض القادة الثلاثة تباعا، عماد الدين زنكي، ثم ولده نور الدين محمود، ثم القائد صلاح الدين الأيوبي، الذين حملوا راية الجهاد لمواجهة مشروع الغزو الصليبي"، وكما حصل عندما هزمت المماليك بقيادة السلطان سيف الدين قطز الغزو التتاري ولاحق جيش ظاهر بيبرس "فلول التتار" وطهّر "سائر البقاع الإسلامية منهم، فحرّر المسلمون بلاد الشام كاملة في بضعة أسابيع، وتم توحيد مصر والشام من جديد في دولة واحدة تحت حكم المماليك".
في ظل الصراع الفكري والسياسي حول تقييم الدولة العثمانية الذي تشهده بين الحين والآخر المكتبة العربية، يوضّح المؤلف مسار بني عثمان، منذ بداية دخولهم المنطقة، حيث لم تكن مراحل حكمهم متشابهة، ويميّز بين السلاطين وأدوارهم في بناء الدولة ثم الخلافة، والذين خاضوا حروبا في كافة الاتجاهات لتوسيع رقعة الحكم الإسلامي من جهة، ولتوحيد هذا الحكم وجعله مركزي: ضد المماليك والصفويين، وضد التتار الذين اجتاحوا مجددا المشرق العربي، وضد دول أوروبية في طور التكوين، وضد روسيا. وميّز بين الحقبات التاريخية التي شكّلت "الدولة العثمانية (سلطنة وخلافة) لأكثر من ستة قرون"، واعتبر أن "مرحلة طويلة من الضعف والتدهور" ظهرت بعد سليمان القانوني، بسبب "الثورات الداخلية، إضافة الى الحروب في أوروبا ومع الصفويين.".


التعليقات : 0