بعض ملامح فكر القائد الراحل رمضان عبد الله شلّح.. راغدة عسيران

بعض ملامح فكر القائد الراحل رمضان عبد الله شلّح.. راغدة عسيران
أقلام وآراء

بقلم: راغدة عسيران 3/3

 انعكس هذا الضعف على الحكم وتفاقم الفساد، وانتقلت الدولة العثمانية، من "مرحلة الضعف الى مرحلة الانحطاط والتراجع" منذ منتصف القرن الثامن عشر، ما فتح الباب أمام الامتيازات الأجنبية "التي لم تكن أكثر من غطاء قانوني لتسلل المشروع الاستعماري الغربي الذي لم يتخل عن زحفه العسكري ولا مشروعه الاستراتيجي بالقضاء على الدولة الإسلامية في نهاية المطاف".

 

لهذه الأسباب، لا يمكن الحكم على الدولة العثمانية بإلغاء ستة قرون من تاريخها والاكتفاء بما مثلته آخر مراحلها، أي دولة "الرجل المريض" التي أثقلت الشعوب، وخاصة الفلاحين، بالضرائب والتجنيد، والتي اضطرت الى تحديث نظامها وقوانينها بالشكل الذي فرضته عليها الدول الغربية.

 

رغم الضعف والانحطاط والتفسخ، وقف السلطان عبد الحميد الثاني ضد بيع فلسطين للمشروع الصهيوني الغربي في نهاية القرن التاسع عشر ميلادي. تمثل هذه الوقفة إحدى تعبيرات إرادة الصمود أمام الزحف الغربي المعادي للإسلام. تجلّت هذه الإرادة في المعارك التي خاضها صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس: "لا شك أن قصة انتصار حطين وتحرير القدس على يد صلاح الدين قصة ينحني أمامها التاريخ، بل يسجد في محرابها، لما فيها من العبر والدروس، إيمانا وإسلاما، جهادا وفروسية، قيما وإنسانية"، وفي دحر المغول من قبل المماليك، بزعامة السلطان سيف الدين قطز، وفي مقاومة أهل الأندلس للزحف الصليبي، رغم تواطؤ الحكام، وفي صدّ نابليون عن مدينة عكا والساحل المصري ثم دحره عن المنطقة، وفي قتل الجنرال كليبر في مصر، وفي مقاومة الدولة العثمانية ضد روسيا والدول الغربية الأخرى.

 

ولكن ضاعت فلسطين وسقطت القدس في يد الغرب الصهيوني. يحدّد د. رمضان "عاملان لضياع فلسطين": سقوط الخلافة (العثمانية)، "والاستعمار الثقافي والمعنوي". ويعتبر أن "رواد النهضة العربية هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن ضياع فلسطين... كان التحدي الذي فرضه النهوض الأوروبي على الأمة يستدعي استجابة عربية إسلامية في مجال العلم والصناعة، إلا أن النخب العربية نقلوا الاستجابة الى مجال العقيدة والأخلاق والفن والأدب، وظنوا أن اللحاق بركب المدنية الحديثة أن نسلك طريق أوروبا في النهضة حذو النعل بالنعل، وكأن التاريخ الأوروبي تاريخنا وتاريخ البشرية جمعاء، وينبغى تقمص تجربتهم بالكامل".

 

يوضّح هنا الدكتور شلّح ما كان قد كتبه الشهيد الشقاقي حول عامل التغريب الذي وضعت أسسه حملة نابليون، وهو العامل الذي مكّن الغرب من السيطرة على "الحوض العربي – الإسلامي" بعد خروج الجيوش الغربية من المنطقة، ويذكّر من انبهر بحملة نابليون "التقدمية والعلمية" أن جيشه "ارتكب الكثير من المذابح والفظائع بحق الأهالي"، وأن "الاستعمار الثقافي والمعنوي" كان أشد خطورة من الاستعمار العسكري، وأن "الليبرالية السياسية والثقافية العربية" انسلخت عن "تراث الأمة وعقيدتها وانتمائها التاريخي"، كما انسلخ المثقفون من أمثال طه حسين وسلامة موسى "حين حضرا حفل افتتاح الجامعة العبرية في القدس عام 1925 التي كانت بمثابة القاعدة العلمية للمشروع الصهيوني".

 

فتجزئة الأمة بعد سقوط الخلافة والتغريب يشكلان العاملين الأساسيين لضياع فلسطين، كما نقرأه في أدبيات حركة الجهاد الإسلامي. وبعد وصول العسكر الى الحكم في الدول العربية في الخمسينيات والستينيات، الذين رفعوا "شعار القومية العربية" و" تبنّوا الإشتراكية كأيديولوجية وعقيدة فكرية"، ضاع "ما تبقى من أرض فلسطين وأكثر من ثلاثة أضعافها من الأرض العربية". أنها "لحظة أخطر من سقوط غرناطة على يد الصليبين، وسقوط بغداد على يد التتار"، لأن سقوط القدس "هي الطعنة في القلب من الوطن الإسلامي.". يتحمّل العسكر هذه النكبة الثانية، لأنهم "خاضوا حربا ضد الإسلاميين الذين نادوا بإعادة دور الإسلام في قيادة الحياة بدلا من العقائد والأفكار المستوردة" وتمت "المقابلة في ميدان الصراع التاريخي بين الأمة وأعدائها... بين مشروع صهيوني قام على أسس عقائدية توراتية، وهو نتاج الحضارة الغربية بمرجعيتها الفكرية ومشروع عربي يستعير الليبرالية والاشتراكية من فتات الحضارة الغربية، أي أنه إفراز مشوّه للغرب وليس نقيضا له".

 

رغم "الإنجاز العظيم الذي صنعه الإنسان العربي والمسلم" في حرب تشرين أكتوبر 1973، تواصل "الانحدار العربي والإسلامي" الى أن وصل الى اتفاق أوسلو، حيث تنازل "من يملك لمن لا يستحق" وأسّس لفك "الطوق عن الكيان الصهيوني". إلا أن شعلة التصدي والمقاومة ما زالت هائجة مع الاستشهاديين في فلسطين الذين يعلنون أن "الصراع ما زال مفتوحا طالما أن الشعب الفلسطيني صاحب الحق ما زال حيّا وجماهير الأمة ما زالت أفئدتها تنبض باسم القدس مسرى نبيها وقبلتها الأولى...".

 

ما سبب هذا السقوط ؟ يجيب الدكتور القائد بالمقارنة بين الغزو الصليبي سابقا والغزو الصهيوني اليوم، لافتا الى أن الأمة لم تستسلم أمام الصليبيين ولم تعترف بشرعية وجودهم في المنطقة وظلت تحاربهم لمدة قرنين من الزمن، في حين يتسابق اليوم الحكام العرب وغيرهم من النخب الى إقامة علاقات علنية أو غير علنية مع الكيان الصهيوني. السبب الأهم لهذه الظاهرة هو وجود "الوكلاء في سدّة الحكم والفكر يدينون له (الغرب الاستعماري) بالتبعية في كل شيء، أي أن الاستعمار السياسي والثقافي حلّ محل الاستعمار العسكري عندما رحل الغزاة، وأعلن ما سمي بالاستقلال بهذه الدولة أو تلك".

 

يتساءل المؤلف، بعد هذا العرض وبعد احتدام الهجمة الغربية على الإسلام والمسلمين في كل مكان: "هل نحن ذاهبون فعلا الى صراع الحضارات؟ وما هو موقفنا من ذلك؟". يجيب أننا فعلا في قلب "صراع الحضارات" أي "الصراع الحضاري مع الغرب منذ زمن، بل هو برنامج الغرب في مواجهة الإسلام والمسلمين" إلا أن التعامل مع هذه الهجمة لا ينفي "التعايش والتفاهم تحت سقف هذا العالم"، ولكن بعد حلّ "الملفات الكبرى": الاستعمار، التبشير، التنصير، التغريب، التبعية، التجزئة، "إسرائيل"، النفط والثروة، العولمة، الهيمنة والسيطرة..." حيث "نحن فيها الضحية".

 

في النهاية، يجب الإشارة الى أن المحاضرة تحتوي على ملفات أخرى لها علاقة بالموضوع، وكلّها تدلّ على ثقافة المجاهد القائد الغنيّة والعميقة، التي سخّرها في عملية استنهاض الأمة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق