رحيل الأمين.. صرنا شباباً في عهده وتربينا على فكره.. محمد أبو هويدي

رحيل الأمين.. صرنا شباباً في عهده وتربينا على فكره.. محمد أبو هويدي
أقلام وآراء

بقلم / محمد أبو هويدي

تعجز الكلمات عن وصف هذا الرجل الذي أسر العقول والقلوب رجل ملك محبة الناس ونال احترام الجميع لم يختلف عليه اثنان، واضح المنهج والأفكار صاحب شخصية قوية وبلاغة وطلاقة في اللسان يقنع من أمامه من خلال ما يملكه من علم وحجة لا تجده يتلعثم في الكلام، كيف لا وهو صاحب الأمين ورفيق الدرب د. فتحي الشقاقي رجال تربوا على موائد القرآن والسير النبوية نهلوا من كل العلوم جيل فريد أسس حركة كانت فكرة وحلم وبفعلهم وجهدهم اصبحت واقعاً وحقيقة,  ورقما صعباً في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، شباب لم يتجاوزوا العشرين عاما, درسوا في جامعات مصر, وضمتهم جامعة الزقازيق, هذه الجامعة التي حضنت الفكرة وأنبتت بعد ذلك حركة قوية مجاهدة شقت طريقها بروح هؤلاء الرجال.

 

فالشقاقي كان ملهماً صاحب فكر متجدد, نهل منه هؤلاء الشباب و سرعان ما التفوا حوله وحول أفكاره وعملوا على تطبيقها, فكان الشقاقي ينظر إلى فلسطين من منظور آخر يحمل قدرة واسعة على الفهم وقراءة طبيعة الصراع مع هذا الاحتلال, فكان حضور الإسلاميين ضعيفا, فجاء الشقاقي ليغير المفاهيم وليقلب الموازين وليعيد البوصلة إلى فلسطين من منظور آخر وهو الإسلام وأن الأقصى وأرض فلسطين جزء من عقيدة المسلم وسورة وآية من القرآن الكريم متمثلة بسورة «الإسراء».

 

وعلى ضوء تلك الأفكار أعجب هذا الشباب الواعي والمثقف بالفكر الاسلامي المتجدد للدكتور الشقاقي, وكان على رأس هذا الشباب الدكتور رمضان شلح, ذاك الشاب اليافع المليء بالطاقة والحيوية صاحب العقل الراجح والشخصية الذكية فتعرف الدكتور رمضان شلح على رفيق دربه وصديقه الدكتور فتحي الشقاقي من خلال ندوات الأدب والثقافة التي كانت تنظم في جامعة الزقازيق, فكان الدكتور رمضان متذوقاً للأدب والشعر كما رفيقه أبي إبراهيم فأعجب كل منهم بالآخر ومن هنا نشأت العلاقة بينهما, وقد كان في وقتهما يعرف الأصدقاء من خلال العلم والأدب والمواقف الوطنية من القضية الفلسطينية فكان جيلا قارئاً تربى على العلم والمعرفة.

 

من هنا بدأت رحلة التأسيس لإنشاء حركة صلبة تجمع بين البندقية والإسلام وتحمل أفكاراً جديدة برؤية سياسية واضحة، وبالفعل خرجت الحركة الى النور وانطلقت في بداية الثمانينيات من القرن الماضي لتقود المشروع الإسلامي التحرري ولتبدأ صفحة جديدة من الصراع مع هذا الكيان وبشكل غير معهود.

 

(الشقاقي وشلح) بقيا على العهد حتى افترقا فالشقاقي المؤسس استشهد بعملية اغتيال جبانة في مالطا عام 1995 كما تمنى وحلم بالشهادة, وليحمل الراية واللواء من بعده رفيقه الدكتور رمضان شلح الذي لم يتجاوز عمره حينها الـ 37 عاماً, وكان إرث الشقاقي كبيراً وثقيلا, ولكن رفيق دربه كان على قدر المسؤولية والأمانة, فنهض بحركته وخاض بها وسط أمواج البحار المتلاطمة حتى وصل بها إلى بر الأمان.

 

من هنا انطلق الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي د. رمضان عبد الله شلح, وكان رجل مبدع في كل مجالات العلم, فتجده أديباً وكاتباً وشاعراً, تجده خطيباً مفوهاً فقيهاً لا تعجزه المسائل الفقية في الدين الإسلامي، سياسي محنك يحب أن يكنى باسم (محمد الفاتح) وصاحب عامود ثابت في صحيفة المقاومة الأولى (صحيفة الاستقلال) التي كتب فيها تحت زاوية مرايا, عدداً لا بأس به من المقالات وقد أعادت الصحيفة مؤخرا نشر كتاباته  عقب رحيله، كما تجده قائداً عسكريا يضع الخطط ويهتم بالمجاهدين ويحدد توقيت العمل الجهادي في فلسطين وبصماته في ذلك المجال واضحة وتعرفها جيداً قيادة حركة الجهاد وسراياها المظفرة.

 

من عاشوا مع الدكتور رمضان  يعرفونه جيداً يقول عنه صديقه الاستاذ نصر هويدي: «إن الدكتور رمضان صاحب لمحة صوفية جميلة وازنة, كان يحب أن يختلي بنفسه ساعات طويلة ليصلي ويقرأ القرآن وكان يبكي وهو يبتهل الى الله بالدعاء، ودائما ما يتلو علينا سورة غافر ويداوم على قراءتها في صلاته ، كان د. رمضان  صاحب رؤية ثاقبة يحلل الواقع بشكل دقيق ويتنبأ بالمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية, رجل فريد من نوعه هو ورفيق دربه الدكتور فتحي الشقاقي».

 

الحديث عن شخصية وسيرة الدكتور رمضان شلح يصعب حصرها, فسيرته مليئة بالأحداث والذكريات وقد تأثرنا نحن الشباب بشخصية الدكتور رمضان دون أن نلتقيه ولكن كنا نشاهده عبر إطلالاته التلفزيونية والخطابات في المناسبات الوطنية فنحن أجيال الثمانينيات والتسعينيات كبرنا وتربينا على تلك الأفكار وعشقنا خط حركة الجهاد الإسلامي بسبب ذلك النهج والفكر الذي رسخه الدكتور رمضان ورفاقه من بعد ما استشهد المؤسس الأول فتحي الشقاقي وأتى المجدد الأمين رمضان شلح ليصل بالحركة إلى ما وصلت إليه الآن ولتأخذ مكانتها بين أبرز الحركات الوطنية والإسلامية ولتكون ثالث أكبر فصيل فلسطيني في الساحة الداخلية الفلسطينية, ومن أبرز الحركات التي يخشاها العدو الصهيوني والإدارة الأمريكية وفي سبيل ذلك وضعت امريكا رأس الأمين العام على قائمة المطلوبين لـ CIA ولترصد مقابل رأس الدكتور رمضان شلح خمسة ملايين دولار.

 

استطاع الدكتور رمضان شلح أن يحفظ حركة الجهاد الإسلامي من الانزلاق والانخراط بالدم الفلسطيني والدخول في منعطفات تحرف بوصلة وخط حركة الجهاد عن مشروعها المركزي وهو تحرير فلسطين  وهنا يسجل للدكتور رمضان ولقيادة الحركة أنها استطاعت أن تنأى بنفسها عن الانخراط بأي صراعات داخلية, ووقفت موقفا حياديا من الانقسام الفلسطيني مع بذل جهود ومحاولات لتقريب وجهات النظر وحقن الدماء .

 

عشنا في زمن أبي عبد الله وكنا نسير برؤيته ونظرته المستقبلية للأحداث فهذا الرجل يملك رؤية واضحة ونظرة ثاقبة لمستقبل الصراع مع الاحتلال، رحمك الله  أبا عبد الله رحلت عنا بجسدك ,ولم ترحل بفكرك من عقولنا وقلوبنا لأنك تربعت يا سيدي في الصدور والقلوب. فمثلك يا سيدي لا يموت بل يعيش ويخلده التاريخ ويكتب اسمه بمداد من نور, فسيرتك عطرة ومسيرتك حافلة بالعطاء والتضحيات, رحمك الله أبا عبد الله يا (محمد الفاتح). رحمك الله يا صاحب المبدأ وأنت الذي كنت خير خلف لخير سلف, نودعك لتلقى رفيق دربك وصاحبك أبي ابراهيم لتقول له بقينا على العهد والوصية .. وعزاؤنا أنك تركت خلفك رجلا أميناً مؤتمناً على الأمانة وهو رفيق دربكما الأخ القائد زياد النخالة (أبو طارق) عاقد لواء الجهاد الذي سيكمل مسيرة التحرير إن شاء الله.

التعليقات : 0

إضافة تعليق