محمد الفاتح*
كتبها لـ"الاستقلال" بتاريخ: 20/10/1995، العدد (43)
عندما تضيق بك الأرض ولا يتسع الزمن العربي إلا للحظة الصمت أو الانتحار، فإن عليك إن لم تلحق بركب "الحكومة" بعد أن تختار، فقد قالت لنا أدبيات الثورة التي أدمنت لثلاثين عامًا "الطخ" فوق رؤوسنا بالشعارات إن "الشعب سيد الاختيار".
السياسة تورث الوجع، والمعرفة تورث العذاب، والقصيدة التي كانت تطاردنا حتى مدرج الجامعة لم تعد تتعاطانا، فليس من خيار إذن إلا التفرغ للحزن، ونشاف الريق، والإهانات الجميلة التي ستعمم على الهواء والماء العربي الآسن.
رحم الله الشيخ إمام المنشد الضرير الذي هزم هو وشاعر المضطهدين أحمد فؤاد نجم، كل متعهدي الفن الثوري الذين انهار فنّهم كعمارات الفقراء في حي شبرا بالقاهرة، مات الشيخ إمام ومات معه جهاز التسجيل الذي سرقته مني الأرض الرخوة تحت أقدامي، فلم أعد قادراً على استحضار صوته بآهات نجم "آه يا زمان الخنا يا ماشي بالمعكوس، فيك أي شيء ينشرى وكل شيء بفلوس"، وبصعوبة بالغة أكاد أستجمع نفسي ومقاطع قصيدة "غزة في قلب العرب" التي يقول فيها نجم بصوت الشيخ إمام:
من يشتري الفيروز غزة مع الدلال
من فين يا شابة النسب..
وبنت مين فِ الناس؟!
ومين فِ ناسك حسب
وعطاكي للنخاس
بحرين عيونك أسى
ساقيين قلوب الناس
من فين ياشابة النسب
وبنت مين فِ الناس؟
قالت.. بلهجة عرب
غزة .. في قلب العرب
غزة .. وأهلي عرب
خالص وبنت حلال
مات الشيخ إمام ولم يعرف إن كانت غزة في قلب العرب أم في جيب الدول المانحة؟
سؤال بل لغز يحير حكومات العرب وستفك طلاسمه لهم المغنية اليهودية اليمنية الأصل عوفرا حزان و"الحكمة يمانية" يا رسول الله!
"عوفرا" حملت معها للسيد عبد الكريم الأرياني خمريات أبو نواس وحماسيات أبو تمام وروميات أبو فراس الحمداني، وزفرات عروة بن الورد، ومعلقات عنترة وطرفة بن العبد، وكلها قصائد معفاة من الرسوم الجمركية حسب اتفاق التجارة الحرة مع أمريكا التي اصطادت فيها "معاريف" السيد الأرياني.
وعندما ترجع "عوفرا" برُفات الحاخام "شالوم شيبازي"، يختتم وزراء الداخلية ورؤساء الأجهزة الأمنية العرب اجتماعاتهم في تونس.
الأنباء المتسربة من هناك قالت إنهم يبحثون في أخطار فرقعة أصابع تلامذة الوطن العربي الصغار وهم يتسابقون للسؤال في "حصة الجغرافيا": أين تقع فلسطين بعد أوسلو يا أستاذ؟!
هل غزة في قلب العرب..؟ أم في أزير طائرات حاكم شرق النهر التي تهزم هدير التاريخ المستعار، وهي تحلق في عرض مشترك للطائرات التي "تخطف العاشق من حضن الفراشة" في سماء القدس؟!
هل غزة في قلب العرب..؟ أم على الحواجز التي ينفذ منها المهربون وقطاع الطرق، وجماهير كرة القدم، وتحتجز الشهداء والمحتفلين بهم في السادس من أكتوبر؟!
هل غزة في قلب العرب..؟ أم في أنابيب الغاز القطري الذي سيغذي عروق دبابة "مركافاه" ويحيلنا مع أول "شمة" منه إلى نقوش على شواهد قبر المرحلة؟!
هل غزة في قلب العرب..؟ أم على ظهر سفينة على مشارف لارنكا ينشد فيها الممنوعون من حيفا والمطرّدون من واحات العروبة: "بلاد العرب أوطاني"؟!
هل غزة في قلب العرب..؟ أم في علب السردين المحشوّة بالكرامة المهدورة والمكدّسة على رفوف السوبر ماركت الأمريكي؟!
الآن أذكر أن الشيخ إمام مات بعد أن غنّى الإجابة: "لا يا عديم التنا / لا أنت ولا البايعين / سوق النخاسة جبر/ والأهل بالملايين / أبويا باني الحرم/ وأمي من القدسين/ ومصر فيها الهوى/ والعزوة فِ الشرقين/ حلفت بالمرحمة/ والدم والملحمة/ والفارس اللي حمى/ ما أمشي ورا الأندال/ ما أمشي ورا الأندال".
والفاتحة لروح الشيخ إمام.
محمد الفاتح: الاسم الحركي للراحل الوطني الكبير د. رمضان شلّح


التعليقات : 0