الإيدز السياسي والاستحمار! .. محمد الفاتح

الإيدز السياسي والاستحمار! .. محمد الفاتح
أقلام وآراء

مرايا

كتبها: محمد الفاتح

بتاريخ: 16/6/1995

حتى توقيع « اتفاق أوسلو « كان تهاوي المشهد السياسي العربي يُعزى في جانب منه إلى ضعف الوعي السياسي للأمة أو فقدانه لدى شرائح منها.


والوعي السياسي ليس نوعاً من الترف العقلي بل هو مطلب ضروري يعين الإنسان على أن يمتلك قراره المصيري لا أن يمتلكه عدوه.


وحين تفقد الوعي السياسي فأنت تفقد الحصانة والمناعة في مواجهة الأعداء، وتصبح لقمة سائغة لهم بل لعبة في أيديهم.


وقبل الحكم الذاتي في غزة وأريحا كانت «الأُميّة السياسية « كمصطلح تنطبق على حالة الجهل السياسي أو فقدان الوعي السياسي، حتى لدى كثيرين ممن يُخيّل لهم أنهم يتعاطون السياسة.


لكن نظرة خاطفة على الانهيار المأساوي الذي تعيشه الأمة في ظل السلام «الأمريكي _الاسرائيلي» تؤكد أن الحاصل اليوم أخطر من «الأمية» بكثير.


هناك حالة من «فقدان المناعة السياسية» تنتشر في الأمة كالنار في الهشيم وأصدق وصفٍ لها إن جاز التعبير هو «الإيدز السياسي».


إنه مرضٌ فتّاك يأكل روح الصمود والمقاومة كما تأكل النار الحطب, لكنه في الوقت نفسه يضمن للحاكم العربي الفوز في مهرجان الانتخابات بنسب الأربع تسعات (99.99 في المائة).


«الإيدز السياسي» (إبداع) يكفل تسيير شؤون البلاد والعباد وفق استراتيجية تابعة وبنفسية انهزامية وذليلة.
ووصف «إبداع» ليس من بنات أفكارنا فهو جزء أساسي لدى أصحاب نظرية « ليس في الإمكان أبدع مما كان «.
هل هناك أبدع مما نحن فيه في ظل الحكم الذاتي على كل المستويات؟! علينا أن نعلق «خرزة زرقاء» على واجهة كل بيت حتى لا تحسدنا الشعوب الأخرى!.


«الإيدز السياسي»، لا يصيب النخب الحاكمة أو المستوزرة فقط، فهو سريع الانتشار في أوساط الجماهير العادية المصابة بالأمية السياسية وسرعان ما تصدق الشعارات البراقة والفارغة فتلتقط «الفيروس» وتبدأ بالترويج للقبول بالأمر الواقع والاستسلام له وكأن سجل التاريخ لا يحوى نضالات وجهاد شعوب قاومت الاستعمار والاحتلال الأجنبي ودحرته!


«الإيدز السياسي»، وباء فكري، ولوثة في العقل والإرادة، تنسخ مقولة المفكر الإسلامي مالك بن نبي (القابلية للاستعمار)؛ ليحل محلها «القابلية للاستحمار»!


فوفقاً لنظرية مالك بن نبي فإن الشعوب لا تُستعمَر، إلا إذا كان لديها القابلية لذلك، من خلال الإحساس بالضعف والهزيمة أمام العدو بما يقود إلى الإذعان والاستسلام.


ومثل هذا الإحساس لا يتملك الشعب إلا إذا سقط فريسة «الاستحمار» قبل الاستعمار.


«والاستحمار» يعني أن تتصرف «النخبة الحاكمة» على أساس أن الشعب «أهبل» ولا مبالي .. يوماً بعد يوم يقل اهتمامه بالسياسة ويسعى ليل نهار من أجل لقمة العيش في ظل الحصارات المتوالية التي يفرضها العدو للتوجيع من أجل التركيع.


رغم ذلك، فهناك الناجون من «الإيدز السياسي» في أمتنا، لكنهم أيضا مصابون بمرض «فقدان المبادرة» وربما يكتفون بالتثاوب والقول: إن دوام الحال من المحال!.


وبين «فقدان المناعة» و»فقدان المبادرة» يبدو المشهد السياسي العربي وكأنه في سباق مع الزمن للحاق بقطار الانهيار.
لكن ماذا عن المشهد الشعوبي العربي، وهل ما زال في القصيدة متسع للفلسطيني الذي لا يجد سماء تظله دون رضا الدولة العبرية؟!


قال الشاعر:


ولا يُقيم على خسفٍ يُراد به

إلا الأذلان عِير الأهل والوتد


*محمد الفاتح: الإسم الحركي للأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الراحل/ رمضان عبد الله شلح.

التعليقات : 0

إضافة تعليق