أحمد المدلل .. الحلقة-١-
يَحرِصُ القرآنُ الكريمُ على غرس القيم الإيمانية في معرض تربيته للإنسان ... ويضرب لنا الأمثلة الواقعية والقدوات العملية نتمثلها في حياتنا لتصبح أُسوةً لنا في الاخلاق والسلوك ... من هذه الأمثلة سيدُنّا يوسفُ عليه السلام النبىُّ الكريمُ ابن النبىِّ الكريمِ ابن النبى الكريم ابن النبى الكريم ... ذلك الطفل اليافع الذى يحوطه أبوه بعطفه ورعايته ... يأتمر أخوتُه على التخلص منه ليفرّقوا بينه وبين أبيه عليه السلام ... فيخلو لهم وجه أبيهم ... طفل صغيرٌ لا يملك قوة ولا أيدي حتى يرد عن نفسه كيد إخوته ، يرمونه في الجُبِّ الموحش(بئرٌ عميق مظلم) ، فما هى النتيجة؟ ... وهو في أعماق الجُبِّ يؤنس الله وحشته ويُوحى إليه بأنه معه وناصره» فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجُبّ وأوحينا اليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون « (يوسف،١٥) .
ويريد الله ان يُنفذ إرادته بإخراج يوسف من الجب وانقاذه من الهلكة وقَدَرُ الله غالب ... تنشله السيارة التى تحركت بمشيئة الله ناحية الجب وتبيعه في مصر بثمن قليل لأنه ليس ملكا لهم ، مثل اللص الذى يسرق المتاع ويريد التخلص منه فيبيعه ببعض ثمنه دون مساومة... كان من الممكن ان يشترى يوسفَ أىُّ انسان لكنّ الله أراد أن يُكرم يوسف فيَمُرُّ عزيزُ مصر الى السوق في اللحظة التي يُباع فيها يوسف ليشتريه ويُلقى الله في قلب العزيز حبَّ يوسف والتفاؤل بشرائه ، ويوصي زوجته أن تكرمه « وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثرَ الناس لا يعلمون»(يوسف،٢١) ويبدل الله يوسف ظلمة الجب وضيقه ووحشته قصرَ العزيز المنيف ليسعد برفاه العيش جزاء إحسانه وطاعته لربه .
أراد له إخوتُه الذلّ والاسترقاق وأراد الله له غير ذلك فهو خيرُ ولىٍّ وخير الناصرين ... ولم تنته المحنة في حياة يوسف عند هذا الحد ... ابتلى يوسف بنوع آخر من البلاء، ها هي امرأة العزيز تراوده عن نفسه وتدعوه الى الفاحشة، وهيّأت له كل أسباب الإغراء ، وأخلت الجو « وغَلّقَتْ الابواب وقالت هيت لك» ولكنّ يوسفَ ذلك العبد الصالح يؤمن بأن الله يراه وانه لا تخفى عليه خافية «قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون» ( يوسف، ٢٣) يوسف الرجل المؤمن الذى أبدله الله ضيقَ الجُب ووحشته برحابة القصر ورغد العيش فيه ، كيف يقابل هذه النعمة بالعصيان، ذلك ظلمٌ للنفس ولا يُفلح الظالمون .
أكثر أهل التفسير يقولون أنه وُجد من يوسف الهمَّ بامرأة العزيز الذى سرعان ما صرفه الله عنها، فإنّ هذا الهمّ لا يعيبه ولا يُنقص قدره ، لأن ميل الرجال الى النساء شيء فطرىّ، في كينونة البشر ، ويوسف عليه السلام بشرٌ في نفسه نوازع الشهوة ، والإغراء عظيم ، والمنزلق خطيرٌ لا ينجو منه إلا من أخذ الله بناصيته إلى الخير ... وعندما يذكر القران ذلك» فلما همت به وهمّ بها « كأنما يريد أن يُثبت له حيوية الشباب وفحولة الرجال لئلا يُظن به أنه امتنع عن الفاحشة بسبب خلل في جسده أو نفسه ، وكما يُقال الفضلُ في عفة الفحل لا في عفة العِنّين، فالذي حجز يوسف عن الفاحشة إنما هو الخوف من الله تعالى والاستحياء منه ان يُقابِل إنعامه عليه بارتكاب المحرمات.
ولم تقف فتنة امرأة العزيز عند هذا الحدّ بل إن المرأة الهائجة لتهجمُ عليه فيهرب منها وتلاحقه وتتشبث به حتى تُقطّعَ ثيابه ، كل ذلك وهو يأبى لا بسبب العنّة ولكن خوفا من الله تعالى ... وتجمع امرأة العزيز صويحباتها وصديقاتها ، ويشاركنها مراودة يوسف عن نفسه مما يزيد من هياجها فتقول متوعدة» ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليُسجنن وليكوناً من الصاغرين»( يوسف،٣٢) فيظل ثابتاً على موقفه ويتوجه الى ربه داعيا» قال ربِّ السجنُ أحبُّ إلى مما يدعوننى إليه وإلّا تصرف عنى كيدهن أصبُ اليهن وأكن من الجاهلين. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدَهُنَّ إنه هو السميع العليم»(يوسف،٣٣-٣٤) .
إن السجن في طاعة الله خيرٌ ألف مرة من اللذة والغرق في المعاصي وشتان شتان بين الحالين ، بين عاقبة السجن في طاعة الله وعاقبة قضاء الوطر في معصية الله «لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون»(الحشر،٢٠) ... والى الحلقة الثانية مع محنة أخرى وفتنة أخرى في حياة يوسف عليه السلام ...


التعليقات : 0