محمد الفاتح
في أواخر تشرين أول / أكتوبر الماضي, نشر نزار قباني, الشاعر العربي المفضل لشمعون بيرز, قصيدته التي ما زالت تثير جدلاً كبيراً, وهي بعنوان: "متى وفاة الجامعة العربية؟" . التقطها بيرز فأعلن الأسبوع الماضي رغبة "إسرائيل" في الانضمام إلى الجامعة العربية, التي دعا إلى تحويلها إلى جامعة شرق أوسطية.
والجامعة العربية "يرحمها الله" , كما قال الشاعر مظفر النواب منذ سنين, هي "تمثال" الوحدة العربية فكرياً وتنظيمياً، هي التعبير المؤسسي عن النظام الإقليمي العربي, الذي قبرته مدافع قوى تحالف "المحيط الهادر" في "حرب الخليج الثائر".. وهذا ما لا يعنيه قبّاني الذي يسعى لاستصدار شهادة وفاة للعرب كأمة!
في مطلع الخمسينات, سُئل دافيد بن غوريون - كما ينقل الاستاذ عبد العزيز الدوري- عن خطر "الوحدة العربية" على "إسرائيل", فأجاب: "لو كنا نعلم أن العرب يمكنهم أن يتحدوا لما فكرنا بالإقدام على ما أقدمنا عليه وإننا لن نسمح للعرب أن يتحدوا" .
في عبارة بن غوريون هذه مسألتان: الأولى أن "إسرائيل" ما كانت لتنشأ لو لم يكن هناك تجزئة بالأمة ولو قدّر قادة المشروع الصهيوني أن العرب يمكنهم التغلّب على التجزئة وتحقيق الوحدة بينهم، لما غامر الصهاينة بفتح "دكانهم" "إسرائيل" وسط زحام "دكاكين" العرب.
المسألة الثانية والخطيرة, هي رهان الواثق، بل التحدي التاريخي الذي يطلقه بن غوريون أن العرب لن يتحدوا! وهذا الرهان يرتكز على عاملين: الأول, هو قيام "إسرائيل", التي بعد أن استفادت في نشأتها من واقع التجزئة العربية, التي فرضتها سايكس – بيكو، فإنها ستكرّس هذا الواقع وستنمو على استمراره بل لن تسمح بإلغائه, وبكلمات بن غوريون "لن نسمح للعرب أن يتحدوا" .
أما العامل الثاني فهو موجود ضمناً في عبارة بن غوريون, لكننا ندع العلامة العربي الإسلامي الشهير ابن خلدون, يحدثنا عنه. يقول الرائد الأول لعلم الاجتماع في مقدمته: "إن العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة".
ضيّع العرب ملكهم, وأضاعوا فلسطين في نكبتين, لما تمردوا على ما يحصل لهم به الملك والغلبة, واستبدلت العلمانية والأفكار الغربية الوافدة بالإسلام فوقع "التغريب" الذي هو ثالثة الأثافي في مشروع الهيمنة الغربية على بلادنا إلى جانب "إسرائيل" و"التجزئة" وحفاظا على مصالح النخب الحاكمة, امتهنت أنظمة التجزئة القُطرية تضليل شعوبها وسحق حريتها وكرامتها, فخرّجت أجيالاً مقموعة, مهزومة نفسياً. وبينما علق ذلك كله على شماعة المواجهة مع "أإسرائيل" كان مطلوبا من هذه الشعوب أيضا أن تحارب "إسرائيل" وتنتصر عليها!
اليوم اختلف الوضع.. لقد انتصرت القُطرية والعلمانية في بلادنا.. وتحققت الحرية, والعدالة, والمساواة, والديمقراطية, والتنمية, والتقدم, والتحرر, والاستقلال, والكرامة, وأصبحت الأمة "فوق ريح" وأحوالها عال "العال", ولم يبق أمامها إلا أن تهبط في مطار بن غوريون!
ما يحدث للعرب اليوم, أو ما يفعله العرب بأنفسهم, كارثة سياسية أخلاقية حضارية سيحتار المؤرخون في وصفها, هذا إذا استطاع أحدهم أن يهبط إلى الحضيض الذي وصلناه.. الآن تلتقي أضلاع مثلث الهيمنة الثلاثة: "إسرائيل", والتجزئة, والتغريب؛ لتطبق على الأمة بسجن ستطير رأس كل من يحاول الفكاك منه. وهذا هو جوهر المعركة الدائرة مع أنظمة تطلق النار على صدور أبناء الأمة, وتعلق خيرتهم على المشانق, فيما تفتح أبوابها وأحضانها لقادة استخبارات العدو سفراء فيها!
اقتراح بيرز يطرح بإلحاح "مسألة الهوية" في ظل التسوية أو مثلث الهيمنة, الذي يسميه بيرز النظام الشرق أوسطي, الذي ستكون الريادة فيه للمنتصر, "إسرائيل". والرؤية الإسلامية في هذه المسألة تلخصها مقولة ابن خلدون السابقة . وهي رؤية غير مقبولة وغير مسموح بها "إسرائيلياً", حسب كلام بن غوريون السابق لأنها تستهدف الأسس التي قامت عليها "إسرائيل". لذا فلا بد من شن حرب لا هوادة فيها على أصحابها إلى حد الإبادة, وهذا هو الموضوع الرئيسي الذي توصي به مخابرات ومؤتمرات القمة العربية والإقليمية والإسلامية الآن في موسم الهجرة إلى "تل أبيب".
"في معرض رده على بيرز استظرف الناطق الرسمي للجامعة العربية, واقترح على "إسرائيل", بسخرية, أن تتقدم بطلب انضمام للجامعة, إذا رأت أن شروط عضويتها تنطبق عليها!
فات ناطقنا الفصيح, أن "إسرائيل" لن تفعل لأن ليس لديها متسع من الوقت, فهي منهكة جدا في استقبال ومراجعة سيل الطلبات التي تنهال عليها من أعضاء الجامعة "الأشاوس" للارتماء في أحضانها وإقامة علاقة رسمية معها..
أخيراً تهانينا للعرب بعضو الجامعة الجديد وبسلامة عودة رابين من "مسقط" رأسه , وعقبال العمرة أو الحج بعد فتوى ابن باز !!
محمد الفاتح: الاسم الحركى للراحل الوطني الكبير د. رمضان شلّح


التعليقات : 0