أين القوّة الناعمة لفلسطين؟!... زيد عيسى العتوم

 أين القوّة الناعمة لفلسطين؟!... زيد عيسى العتوم
أقلام وآراء

زيد عيسى العتوم

بين ازقّة العمر وثنايا الذاكرة, وعلى جدران مفصلة بالأمل وصورة ملثم ومقبض بندقية, قرأنا منذ نعومة روحنا ” سألوني أتعشقها؟!…قلت بجنون…قالوا جميلة هي؟!..قلت اكثر مما تتصورون”, وسمعنا ونحن نمضغ الحرف ونستكشف الكلمة أن ” فلسطين داري…ودرب انتصاري”, وكبرنا وكبرت الاحلام العتيقة, وأحببنا عكا ويافا وعشقنا القدس, وبكينا ارض البرتقال الحزين, وتكسّرت بقايا الغد أمام زيتونة تصارع الموت في عالم ليس لنا, وتبدّلت اروقة الكفاح واكفان الشهداء وقصص النضال, وتبقى منها بضعة قبور وفتات غد, وتحول الجميع الى مجرد رجال في الشمس.

 

لقد تكللت رحلة النضال الفلسطيني وعبر عقود مريرة بوشاح عريض من ادب المقاومة, ونتاجٍ فكريٍّ صادق ومحفّز لاستنهاض الهمم واستنفار الجهود, ادب يتوهج تارة في اذهان صانعيه ومحبيه, ويخبو تارة اخرى بين مطرقة الواقع وسندان التشرذم, ادب ابدع في تصاعده وتطوره من مقاومة العدو الى مقاومة النفس, وتفنن في تجسيد واقع ثريٍ بتنوع شخوصه وسخاء بيئته دماً ودموعاً, ادب فلسطينيّ كان بكوفيته المعهودة وبياضه وسواده ملهماً لمن طلب حريته وتجرأ على كسر قيده, ذلك الادب صنعه شعراء ورسامون ومسرحيون وصحفيون طاولت آمالهم السماء, فكسّروا دائرة الانكفاء والتباكي, وبنوا في اعمق لحظاتهم مثلثا اضلاعه حالة ذهبية لا تنسى, فأحد اضلاعه غسان كنفاني برواياته التي سطّرت مجالا ادبياً فلسطينياً رحبا, غاص فيه وابحر مراراً في قلب وعقل فلسطين النكبة, واستحضر فيه كالساحر حيثيات اللجوء وقسوة النزوح, وكان منه “عائد الى حيفا”, أما ضلعه الثاني فمحمود درويش بشعره الذي ترك تراثا ادبياً خصبا, تكلّل بصدق العاطفة وبراعة التصوير وسمو الرؤى, فهز القلوب واشعل الجماهير واوقظ النخب, ويكفيه أن خاطب فلسطين “عيونك شوكة في القلب…توجعني …وأعبدها”, ثم ناجي العلي بريشته التي اشهرته وقتلته, فابدع على جدران زنزانته ثم على جدران مخيمه, وصنع ذلك الطفل المعجزة عاقداً يديه خلف ظهره, فكانت تلك الريشة الغريبة قلماً وصوتاً ومشرطاً ملوناً بالشحن والايحاء.

 

 ان فلسطين اليوم او ما تبقى منها ليست كفلسطين الامس أو ما كانت عليه, وبيئة وحاضنة الكفاح بسطريه الخشن والناعم قد تبدلت وربما تهاوت, ففلسطين الامس كانت تستقبل قوافل الشهداء, وتنتشي وتتجذّر بحناجر الطامحين, وتُسمع الدنيا صوتها بانها قضية العرب الاولى والعظمى, اما قضية فلسطين اليوم فهي ترسو على مستنقع ضحل من السكون, اطيافها منقسمون ومحصورون, شعراؤها لا تفارقهم كوابيس الاحباط حتى الوصول الى سكرات الموت, يصدحون في المهرجانات الفنية, بعدد خجول من الحاضرين, رسّاموها قد شاخت ايديهم واستسلمت ارجلهم لرحلة البحث عن لمّ الشمل ولقمة العيش, مثقفوها قد احتاروا بما آلت اليه القضية, فأين البوصلة واين القضية!, خرائطها تتبدل كأوراق الشجر, وفصائلها تتراشق كأنها تملك السيادة, ففي كل يوم تُهوّد ارض وتُنتهك كرامة, و تقاطع الخطوط السياسية الفلسطينية الداخلية قد بلغ حافة غياب الثقة وانعدام المسؤولية, وحالة الامر الواقع والوضع الراهن تخدم اسرائيل في كل يوم وبأبسط التكاليف.

 

لقد كانت القوى الناعمة الفلسطينية شرياناً يُشبع قلوب وعقول الفلسطينيين ويزيد, وربما لا تتحمل هي وحدها ما آلت اليه الامور في منطقة لا تملك على الاغلب زمام امرها, لكن واجبها الاخلاقيّ والتاريخيّ يحتم عليها بأن تبقى صامدة وفاعلة على المسرح الفلسطيني مهما تخلخل وضاقت خشبته, من أجل اجيال لا بد وان تعي وتشعر الحق الفلسطيني في كل وقت, وأن تدرك وتسمع ذلك الصوت المزلزل يخاطب غسان كنفاني ” كيف طوّع القبر نفسه فاحتواكَ…..وكيف طوّع الكفن نفسه فغطّاكَ….وكيف لم نطرق جدران الخزان وقد سمعناكَ”!.

التعليقات : 0

إضافة تعليق