أحمد المدلل 2/2
دخل يوسف -عليه السلام- السجن ظلماً وبهتاناً وزرواً ... ولكنّ الله -تعالى- أراد أن يُبعده عن الفتنة بخروجه من بيت العزيز وإبعاده عن امرأة العزيز ... استطاع يوسف عليه السلام ان يحوّل محنة السجن الى فرصة كبيرة لتطهير النفس وتزكيتها ومدرسة للدعوة الى الله سبحانه وتعالى ... انها نفس الحال التي يعيشها الدعاة والاحرار داخل أقبية السجون على مدار التاريخ الإنساني ، ينسون عذابات السجن وآلامه وينطلقون نحو وجه الله بمزيد من الايمان والوعى والثبات ليخرجوا رموزا للشعوب يتقدمون الصفوف بكل اصرار واقتدار ...
دخل مع يوسف السجن فتيان من خدم العزيز؛ حيث كانت التهمة الموجهة لهما المؤامرة على الملك، فرأى كلٌّ منهما رؤيا في منامه، وطلبا من يوسف -عليه السلام- بما علمه الله تعالى ان يفسر لهما تلك الرؤى ... حيث إن أيام السجن ولياليه وزنازينه وأبوابه المغلقة والمعيشة اليومية تعطى الأسير الصورة الواضحة والمعرفة الكاملة عن صاحبه نتيجة قربه منه ... وقد تقرب الفتيان من يوسف نتيجة أخلاقه العالية الكريمة وإحسانه ... فأخبرهما بأنّه ترك ملة الكفر والشرك التي عليها القوم في مصر ، واتبع ملّة آبائه ابراهيم واسماعيل واسحق من قبل ... وأنّ كلّ ذلك من فضل الله -تعالى- عليه، وإحسانه وكرمه، ودعا الفتيان إلى الله -عز وجل- بعد أن بيّن لهما أنّ فضل الله -تعالى- عليه عظيم جداً ... وكان تفسير الرؤى التي رآها الفتيان أنّ أحدهما سيخرج من السجن ويصبح قريباً من الملك وساقياً خاصا له في الخمر ...
وأنّ الآخر سوف يُقتل ثمّ يُصلب ... وقال يوسف -عليه السلام- للذي سيصبح قريباً من الملك أن يذكره أمام الملك بالخير ... فنسيَ الفتى ذلك، حتى رأى الملك رُؤيا جاء فيها أنّ سبع بقرات نحيفات يأكلن سبع بقرات سمينات ... ورأى أيضاً سبع سنابل خضراء وسبع سنابل يابسات ... وطلب من قومه ومن حوله من الكهنة أن يفسّروا له ذلك ... واحتاروا فيما بينهم ولم يستطيعوا تفسير رؤيا الملك ... حتى وصل بهم الحال أن قالوا « أضغاث أحلام» ... ثمّ ذكر ساقي الملك يوسفَ عليه السلام، فجاؤوا به إلى الملك، وفسر حلمه؛ بأن الخير والخصب والمطر سيصيبهم مدة سبع سنين متواليات ... فسر البقر بالسنين ... لأن البقر تثير الأرض المليئة بالزرع والثمار فتنموا السنابل الخضراء ... وأرشدهم إلى ادخار ما يحصدونه في السبع سنوات واستهلاك حاجتهم منه فقط مع عدم الإسراف ... وذلك للاستفادة من الحصاد الذي تمّ ادخاره للسنوات العجاف الشديدة الجدباء التي وُصفت في الآيات بالبقرات العجاف، ثمّ أخبرهم يوسف -عليه السلام- بأنّ بعد ذلك يُصيبهم الخير والغيث ... ويحصل الناس على ما كانوا يحصلون عليه في العادة من الزيت والسكر واللبن... وغير ذلك من النعم والرزق ... عندما سمع الملك تفسير يوسف -عليه السلام- للرؤيا التي رآها سرّ سروراً عظيماً وأراد أن يُخرجه من السجن ... ولكن يوسف -عليه السلام- رفض ذلك حتى تتبيّن براءته التامة من الاتهام الذي نسب إليه، والظلم الذي أصابه ... وقالت امرأة العزيز بأنها فعلت ذلك ليعلم زوجها بأنّها لم تُفسد فراشه وأن الذي حصل منها المراودة فقط ... وبعد ذلك سمع الملك من يوسف -عليه السلام- وعَرف منه الصلاح والحِنكة، والثقة وقرّبه اليه وكلّفه بوزارة مال الدولة، والتصرّف في أرض مصر كيفما يشاء ... وبذلك علا شأن يوسف -عليه السلام- وأصبح وزيراً للمال ونائبا للملك كما تقول بعض الروايات ...
النتيجة الطبيعية لمن يتعلق بحبل الله ويصبر على ما يلاقيه من ابتلاءاتٍ ومحنٍ وفتن ويحتسب ذلك عند الله ... ويتكرر هذا الأمر في التاريخ القديم والحديث وفى نهايات الثورات والمقاومة خير مثال ... وينتهى قطار المحن بيوسف الى فتنة الملك وقد جمع الله شمله بأبويه وإخوانه الذين غدروا به وظنوا أنه قد غاب عن الحياة ، وقد أرادوا أمراً وأراد الله غيره فكان ما أراد الله ، وقد عفا عنهم وقربهم اليه وقد أصبحوا صالحين...
وفى لحظةٍ صافيةٍ يظللها الإيمان وتحيطها السكينة والطمأنينة يقف يوسف مع نفسه وقفة صدق وإخلاص ووفاء ليعترف أنّ ما وصل اليه من الحكم والمُلك لم يكن بذكائه ولا بمهارته أو جهده وجهاده وإنما الفضل فيه يعود الى خالقٍه وخالقِ كل شيء الى ربه ومولاه الذى حفظه ورعاه ... الى الله سبحانه ... وأقصى أمنياته ورجائه أن يُثبته الله على دينه وألا تفتنه حياة الملوك والحكام وأن يَلقى الله ربّه ومولاه وهو على دين التوحيد - الاسلام - وأن يُلحقه الله بإخوانه من الأنبياء والمرسلين « ربّ قد آتيتني من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث ، فاطرِ السمواتِ والأرضِ أنت ولِىِّ فى الدنيا والآخرة ، توفّنى مسلما وألحقنى بالصالحين» صدق الله العظيم ....


التعليقات : 0