ليست مشكلةً لغويّة.. عبد الله الشاعر

ليست مشكلةً لغويّة.. عبد الله الشاعر
أقلام وآراء

عبد الله الشاعر

 ليس مهمًّا إن كانت ( الكمامة) تُنطقُ بكسر الميم، أو بفتحها، ما دام المواطن مكسورَ الخاطر، وقد فتح الوباءُ في رأسه ألفَ دوّامة ودوّامة, كذلك ليس مهمًّا في هذا الظرف التاريخيّ البائس، إن نطق المواطن الغلبان ( الكمامة) بتشديد الميم، أو تخفيفها، ما دامت الظروف الاقتصاديّة تُشدّدُ قبضتها على روحه؛ فتخنقها، وتُلقي به في عراء الخليقة الدامي.

 

ليست المسألة خلافاً لغويًّا، ولا صراع لهجات، إنّما هي مسألةٌ تتعلّق باختناقنا بكمامة وبسواها، وبقناعتنا بإجراءات السلامة، أو عبثيّتها، فالمواطن الغلبان مخنوقٌ بمتطلّبات الحياة، والوطنٌ مخنوقٌ بقنابل الغاز التي تُصادر حرّيته في رفض الغزاة، والمثقّفُ مخنوقٌ بمنظومة الجهل التي تسرح وتمرح، برعاية رأس المال والسياسة، والتاجرُ مخنوقٌ بعجزه عن سداد ديونه، ولكلٍّ نصيبه من الكآبة والاختناق!

 

لم تكشف جائحة كورونا عن هشاشة منظومتنا الصحيّة وحسب، فتلك مسألةٌ مرتبطةٌ باعتباراتٍ كثيرة، لكنّها أزاحت الستار العنتريّ عن اقتصادٍ جعلته اتفاقيّات السلام يقف على شفا جُرُفٍ هار، كما كشفت عن كذبة الدولة التي طالما دوشونا وهم يتحدّثون عن وصولهم إلى تخومها، وأنّهم قادرون على النهوض بها رغمًا عن الكيان الغاصب... لقد مارسوا الإفك السياسيّ على المواطن بكلّ براعة، واتخذوا من رواتب الموظّفين وسيلةً للابتزاز، ثمّ ردّدوا تلك اللازمة القبيحة:( بِدكم وطن أم فلوس؟) وكأنّ مقوّمات الصمود الشعبي لا علاقة للمال في ترسيخها!

 

هل دخل الزعماء السياسيّون فجأة في الزهد والتقشّف، وصار المال عدوًّا للوطنيّة، ويجرح في انتماء الموظّف لهذا الوطن؟ حسنًا، لنتفق مع هؤلاء السياسيّين، ونردّد لازمتهم: بِدّك وطن أم راتب، لكنّ هذا الشعار سيقودنا إلى اتّهامهم بالتخلي عن الوطن، وانحيازهم للمال الذي حصلوا عليه دون أن يكون تحت مسمّى راتب، اللهمّ إلا إذا اعتبروا أنّ كلّ طُرق الحصول على المال مباحةٌ ووطنيّةٌ ما دامت خارج الرواتب، ولا مشكلة حينئذٍ لو جاءت بالنهب أو الامتيازات، أو عبر المشاريع المشبوهة التي اتخذت من عذابات الفقراء رأس مالها، ومن دمائهم وقودًا لمعاركهم الاستثماريّة القذرة.

 

أيّها الشعب المقهور، إلى متى سيظلّ الساسةُ يراهنون على ذاكرتنا القصيرة، وعلى إحساسهم أنّ الشعب ليس أكثر من قطيعٍ يُقادُ بالعصا تارةً، وبالتشكيك في وطنيّته تارةً أخرى؟ لقد أحدثوا في أرواحنا وأجسادنا أمراضًا مزمنةً، وتلك والله لا تُحلُّ بالفذلكات اللغويّة، ولا بالحديث عن فايروس ما زال الأطبّاء عاجزين عن اكتشاف علاجٍ له، فالمسألة لا تقتصر على اكتشاف الأمصال ومعرفة سُبل القضاء على تلك الفايروسات، إنّما بإرادة المسؤولين، وإصرارهم على القضاء عليها...أليس الاحتلال وباء أشدّ فتكًا من كل الفايروسات؟ ثمّ أليس السبيل للتخلّص من هذا الوباء الاحتلالي واضحًا وبيّنًا؟ فلماذا يغضّون طرفهم عن هذا الوباء الكبير، ويستبسلون في استنفار مخزونهم اللغويّ لوصف فايروس كورونا بأبشع الأوصاف؟!

 

ليست مشكلتنا مع الفايروسات لغويّة، وإذا طفحَ القلبُ بالهموم، فكلّ اللغات التي تَصِفُ الوجعَ فصيحةٌ وبليغة.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق