بقلم : حماد صبح
" مفارقةٌ أنك المبتدا * وأن جميع الرزايا خبر " هذا البيت الرائع ، المتحسر ، المتحزن ؛ للشاعر العراقي الراحل عبد الرزاق يحيى يبدو كأنه " فصل " خصيصا لغزة . رزاياها لا تفتأ تنصب عليها من كل ناحية ، وفي كل ناحية ، ومن القريب الأدنى ومن العدو . والقريب الأدنى أعنف ضراوة من العدو لفطنة العدو وذكائه في عدائه ، وبلادة القريب الأدنى وغبائه وسواد أحقاده الفائضة في قلبه الذي لا تنسل إليه ذرة خير أو قطرة محبة .
منذ شهور وسلطة رام الله تصوب سهام الرزايا حارقة إلى قلب غزة بكثافة بلادة ، ووفرة حقد وغباء . بدأت بتقليص الرواتب ، ويممت وجهها تاليا إلى فاحشة " التقعيد " المبكر الذي تسميه " تقاعدا " ، وهو في الحق تقعيد ؛ لأنها تقعد ، ودعنا من حكاية العسكريين الذين هم في الأساس لا عمل حقيقيا لهم سوى مراقبة ومعاقبة من يسيء إلى أمن إسرائيل ، ولنركز على موظفي التعليم والصحة ، أهم قطاعين في أي مجتمع لتعلقهما بإنماء الأذهان وحفظ الأبدان اللذين هما قاعدة كل صنوف الإنماء الأخرى . كل المجتمعات ، كل الدول ، كل الحكومات ، كل الهيئات باستثناءات قليلة تهب ؛ هذين القطاعين أقصى المستطاع من الرعاية ، وتهتم أوسع اهتمام بخصهما بأعلى الميزانيات ، وترفدهما بأجود الكفاءات .
فلسطين وغزة ساء حظهما لسوء من نصبوا عليهما قادة ، فأهمل فيهما التعليم والصحة . وإذ أعطف غزة على فلسطين عطف الجزء على الكل فإنما استهدف بيان أن غزة ، هذا الجزء من فلسطين الذي تعادله الآن الضفة الغربية لكون المنطقتين نظريا تابعتين للسلطة ؛ تخصها السلطة بأشد الإهمال بحجة سيطرة حماس عليها ، وخروجها عما تسميه السلطة الشرعية ، أي الشرعية الوهمية باعتبار الاحتلال هو السيد الفعلي في المنطقتين ولو بصورة متفاوتة نسبيا بواقع أن إسرائيل ليس لها وجود عسكري واستيطاني في غزة .
السلطة في رام الله قررت تقعيد كل من يعمل في التعليم والصحة في غزة إذا كان فوق الخامسة والأربعين ، وعم هذا التقعيد 5419 عاملا في التعليم ، منهم 4116 معلما ، والبقية مديرون ونواب مديرين ومشرفون تربويون ومرشدون تربويون وأمناء سر وأذنة . وتأتي هذه الضربة القاسية في مستهل العام الدراسي دون ذرة مبالاة بآثارها السيئة على جزء من الشعب الفلسطيني كان دائما الحافظ للقضية الفلسطينية ، المضحي بالدم بسخاء لاستبقاء شعلة الأمل في استعادة الحق الفلسطيني متقدة . السلطة تواصل تسديد سهام الرزايا إلى قلب غزة في قسوة وحقد .
أليس من الوطنية أن تترك السلطة التعليم والصحة في غزة في حالهما على ما بهما من سوء ومشكلات ومعيقات ؟! السلطة لا تدفع لغزة مليما واحدا من جيبها . ما ينفق على غزة بعض مما تأخذه السلطة من رسوم المقاصة من إسرائيل على البضائع الموردة إلى غزة ، ومن " المنح " التي تقدمها مجموعة الدول المانحة . أليس من الوطنية أن تقول السلطة : " حالنا في الضفة وغزة واحدة ، لا وجود لسلطة حقيقية ، كلنا في قبضة السيطرة الإسرائيلية ، في هذه القبضة المحكمة الخانقة لا مجال لحرية انتخاب ، ولا مجال لحياة سياسية سليمة بأقل قدر للسلامة ، فلنترك الأمور في الضفة وغزة على حالها إلى أن يقضي الله أمرا مقدرا ، ويحدث ما يعيد اللحمة بينهما ! " .
لا علم لنا بالذي تراهن عليه السلطة حين تطالب بالاحتكام إلى صندوق الانتخاب . إلى هذه الدرجة العالية هي واثقة من نجاح ممثليها في الانتخابات ؟! ما مسوغ انتخاب الناس لهؤلاء الممثلين ؟! حتى لو انتخبوا ، وهو المستبعد الأبعد ، هل ستتحسن حال الضفة وغزة خيرا مما هو واقع الآن ؟ هل سيختفي الانقسام ؟! الانقسام كان مآلا محتما لرداءة اتفاق أوسلو ورداءة من نفذوه في الجانب الفلسطيني ؛ أي السلطة .
ندور في حلقة مفرغة مظلمة . السلطة ليس في يدها ذرة أمل في أي مكسب وطني للشعب الفلسطيني ، وكل ما تستطيعه الآن هو الانشغال بمعاداة غزة ، والتضييق عليها ، وتخريب مجالات الحياة فيها باسم شرعية لا وجود لها ، وهي تعلم هذا وتتجاهله ؛ فهذا ما تقتضيه وتستدعيه مصلحة رموزها الشخصية والفئوية ، ولو كانت منهمة حقا بمصلحة الشعب الفلسطيني ، والمستقبل كامن في الشعب مثلما يقول فيكتور هوجو ، ما عادت غزة ، ووجهت عداءها لإسرائيل ، إنما المصلحة الشخصية والفئوية لرموز السلطة توجب مصادقة إسرائيل ومعاداة غزة .
المصلحة تحدد الصديق ، وتحدد العدو ، ويتمادى عداء السلطة لغزة حتى يجعلها لا تحجم عن تدمير التعليم والصحة فيها ، ويوصلنا هذا إلى التساؤل : ماذا بقي للسلطة في غزة ؟!


التعليقات : 0