"صفقة القرن" وهمٌ أقرب إلى الخيال... الشيخ: نافذ عزام

أقلام وآراء

الشيخ: نافذ عزام

كثر الحديث في الشهور الماضية عن حل للصراع الذي فرضته «إسرائيل» على هذه المنطقة عبر ما يُعرف بـ»صفقة القرن»، فهل توافرت فعلا الظروف النفسية والتاريخية والموضوعية لهكذا حل، وهل وجدت البيئة الإقليمية والدولية لإنهاء صراع ممتد لقرابة قرن كامل؟.

 

لا نبالغ إذا قلنا إن القضية الفلسطينية لا تشبه أية مشكلة في أي  مكان من العالم حيث انها محاطة بعوامل الأيديولوجيا والثقافة والتاريخ بصورة لا توجد في أي صراع آخر مهما بلغت حدته، أو درجة تعقيده، ولم يعد خافيا على أحد، تأثر الوطن العربي والإسلامي بما يجري للفلسطينيين بغض النظر عن مسار الأحداث في الإقليم، وبغض النظر عن طبيعة سياسات وبرامج الحكومات والدول، وهذا ما نشير إليه أحيانا بمصطلح العامل الغيبي، وأحيانا أخرى بحديث عن قداسة هذه القضية وهذه الأرض ولا يجوز إغفال عامل هام آخر يتجلى في قناعة راسخة عند كل عربي وكل مسلم بأن فلسطين تخصه بنفس القدر الذي تخص الفلسطيني الذي يعيش المواجهة المباشرة واليومية، وأن هذه القناعة الراسخة في نظر هذه الملايين جزء من المعتقد والإيمان، وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في محطات عديدة في هذا الصراع وآخرها الهبة التي واكبت الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى.

 

وبخصوص الإدارة الأمريكية الجديدة التي تحدثت عن «صفقة القرن»، فإن كل مراقب يطرح تساؤلات عديدة حول قدرتها ورغبتها وأهليتها لإحداث اختراق في ملف يحمل كل هذا التعقيد، عجزت عنه كل الإدارات السابقة.

 

وفي ظل الأزمات الداخلية والخارجية العديدة لهذه الإدارة التي لا تكاد تخرج من أزمة حتى تدخل نفسها في أزمة أخرى، والأمثلة كثيرة من العلاقة المتوترة والمضطربة مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وبعض شركائها الأوروبيين، مرورا بإيران والمكسيك وفنزويلا ووصولاً إلى الأزمات الداخلية المحتدمة والتي لا تنتهي، وتطال شرائح ومنظمات واجناسا مختلفة في الولايات والمدن الأمريكية، وحتى الصدام مع الهيئات والمنظمات المعنية بالمناخ وسلامة البيئة.

 

وإذا وصلنا إلى مواقف الإدارة الجديدة من القضية الفلسطينية فلن نجد صعوبة في اكتشاف الانحياز غير المسبوق لـ»إسرائيل»، حيث أصبح العديد من رموز الإدارة ومبعوثيها بمثابة ناطقين باسم «إسرائيل» ومدافعين بشراسة عن مواقفها وسياساتها، والأمثلة صارخة وفجّة يعبر عنها بوضوح مبعوثا الإدارة الأمريكية بخصوص هذا الصراع، ومندوبة أمريكا في الأمم المتحدة، والسفير الأمريكي في «إسرائيل»، إضافة للرئيس الأمريكي نفسه، وفي كثير من المحطات والمواقف والاجتماعات، ظهر بوضوح الجهل الكبير لمسؤولي الإدارة الجديدة بقواعد السياسة، وطبيعة هذه المنطقة، وبأبجديات الصراع في فلسطين، مما يزيد من الارتباك والتناقض في السياسة الأمريكية عموما وموقفها تجاه قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فكيف يمكن تحقيق اختراق، والوصول لما يُعرف بـ»صفقة القرن» والإدارة الأمريكية لا يوجد لديها أدنى معرفة بالمنطقة وشعوبها وهويتها.

 

ومن الضروري التذكير بالجانب الآخر من الصورة المتعلق بـ»إسرائيل»، حيث تُبدي «إسرائيل» أقل قدر من الصلف والغرور، وتظهر أكثر المواقف والسياسات تطرفا وتعصبا، ولا تمتلك أدنى قدر من الرغبة في الوصول لحل، مما يجعل فرص تحقيق «صفقة القرن» أقرب إلى الخيال.

 

ومن المهم أيضا التأكيد على أن الموقف الفلسطيني عامل حاسم في أي حل أو صفقة منتظرة، وبكل موضوعية، ومهما كان التقييم للسلطة وأدائها ومشاركتها في عشرات جولات التفاوض، فإن أحداً في السلطة لا يستطيع التوقيع على حل نهائي يمس المبادئ الثابتة وشبه المقدسة بخصوص القدس وحق العودة تحديدا، وواضح أن الرئيس أبو مازن يزداد قناعة بعجز الإدارة الأمريكية عن لعب دور الوسيط النزيه والأخلاقي، ويزداد إيمانا بانعدام أي أمل في تحقيق ما يُسمى بصفقة القرن، حتى لو ضغطت بعض الدول العربية والأوروبية، فإن العوامل التي ذكرناها في صدر مقالنا هذا، تمثل الكوابح التي تحول دون تقديم الفلسطينيين تنازلات إضافية.

 

إذا لا نستطيع الجزم بأن «صفقة القرن» جزء من الهالة الإعلامية الكاذبة للإدارة الأمريكية الجديدة، وجزء من سعيها لفرض منطق جديد على العالم بأسره وليس على منطقتنا فقط، منطق يستند إلى القوة والغطرسة أكثر منه إلى احترام الآخرين وتفهم مظلومية الأمم والشعوب، فهل من المعقول أن تنجح هكذا محاولة؟!

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق