فصل الخطاب في ما وراء تقارب فتح وحماس من الأسباب.. حماد صبح

فصل الخطاب في ما وراء تقارب فتح وحماس من الأسباب.. حماد صبح
أقلام وآراء

حماد صبح

على غير توقع ، صفا الجو وراق بين فتح وحماس، فلا مناكفات إعلامية، ولا ملاسنات  سياسية، ولا كشف لعورات وعيوب. وبدأ صفاء الجو وروقانه بالحوار بين جبريل الرجوب أمين سر مركزية فتح وصالح العاروري نائب رئيس مكتب حماس السياسي.

 

وأعلن الفصيلان عن إقامة مهرجان وطني في غزة لمعارضة صفقة القرن وخطة الضم الإسرائيلية في الضفة، ولإظهار وحدة الشعب الفلسطيني في هذه المعركة الوطنية المصيرية. والمقترح إقامة المهرجان قبل العيد، ويقترب العيد دون أي علامات أو تجهيزات تؤكد إمكانية إقامته قبله . وقد يكون في هذا ما يبين غيبة الحماسة له ، هذه الغيبة المنبثقة من غيبة الجدية والمصداقية والإخلاص في التقارب، والشك في تحقيق هدفه المعلن. وعقلا، يستحيل اختفاء الخلافات الجوهرية بين الفصيلين فجأة وبهذه السرعة، وفي هذه الخلافات مشاعر عداء وارتياب عميقة.

 

قال الشاعر زفر بن الحارث: “وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هِيَا”، لا فرق في هذا بين الحزازات الشخصية والحزازات السياسية التي تمتزج فلسطينيا وعربيا دائما بالشخصية.

 

ولو لم تكن هذه الحقيقة لما كان الانفصال أصلا، ولما تواصل 13 عاما، وأخفقت كل الاجتماعات والاتفاقات والوساطات بين الفصيلين في إنهائه. وفي كل اجتماع واتفاق ألحت فتح على تخلي حماس عن كل مظهر من مظاهر سيطرتها في غزة إداريا وأمنيا وعسكريا، واختصرت هذا الإلحاح في “تسليم ما فوق الأرض وما تحت الأرض” لها. ووراء هذا الإلحاح اعتقاد فتح واقتناعها أنها السلطة الشرعية الوحيدة في غزة والضفة، وأن حماس اغتصبت السلطة في غزة، وكأنها، في فهم فتح، لم تفز بآخر انتخابات تشريعية في يناير 2006.

 

فما فصل الخطاب في أسباب التقارب الفتحاوي الحمساوي المفاجئ؟!

 

من ناحية فتح: اقتناعها بأن مشروع الدولة الذي راهنت على إنجازه بالتفاوض مع إسرائيل؛ فشل ولا أمل فيه، وهي عمليا عاجزة عن مواجهة صفقة القرن وخطة الضم وحدها، ولا مع حماس وكل الفصائل والقوى الفلسطينية الأخرى، وتدرك في أعماقها، ولو كابرت، أن كل هذا الفشل الوطني الفلسطيني من صنعها وحدها، وهي الآن تريد شريكا في تحمل كارثته الوشيكة المؤكدة في صفقة القرن وفي خطة الضم، وإشراك حماس في تحمل هذه الكارثة سيجعلها، فتح، قادرة على القول لاحقا: “ماذا نفعل ؟! كلنا  فشلنا في المواجهة”. إشراك في الغرم بعد رفض طويل لما ظنته غنما، وهو السلطة.

 

وحماس تدرك تماما هدف فتح من التقارب  المفاجئ الودي معها، وتدرك أن السفينة غرقت إلا أنها تريد من هذا التقارب:

 

أولا: تحاشي اتهامها بأنها ترفض الوحدة الوطنية في مواجهة الصفقة والضم.

 

ثانيا: اعتراف فتح بشرعية سيطرتها على غزة من خلال هذا التقارب التظاهري، وإقامة المهرجان الوطني معها في غزة وليس في الضفة.

ثالثا: قد يؤدي هذا التقارب إلى حل بعض المشكلات المتصلة بالأمور الاقتصادية والمعيشية في غزة مثل الرواتب والصحة.

 

واقتناع الفصيلين بسوء وكارثية ما انتهت إليه القضية الوطنية أوصلهما إلى أن يرضى كل فصيل بما تحت يده . فتح بما قد يتبقى من الضفة ، وحماس في غزة.

 

وكلاهما يواجه في منطقته صعابا ومشكلات كبيرة. فتح تواجه في الضفة سخط الناس على ما انتهت إليه القضية الوطنية في يدها، وما في سلطتها من فساد مالي وإداري ، وعجزها المطلق عن حماية أرواحهم وممتلكاتهم من اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين التي لا تتوقف ، وعبرت عن شيء من هذا السخط حركة “طفح الكيل” التي شكلها مجموعة من الشباب لمقاومة الفساد في السلطة ، فردت أجهزتها الأمنية باعتقالهم.

 

وحماس تصارع في غزة واقعا اقتصاديا منهارا تجاوزت فيه البطالة 50 % من القوى القادرة على العمل، وحصارا مزمنا يعطل حركة الناس في الخروج طلبا للرزق، ويحظر دخول مئات المواد اللازمة للإنتاج الصناعي بذريعة صلاحيتها المزدوجة للاستعمال المدني ، والعسكري الذي تخافه إسرائيل، ما أوقف كثيرا من المصانع التي كانت توفر فرص العمل  لنسبة من القوى العاملة. والاتهامات تنصب عليها، حماس، بأنها هي السبب، وفي مثل هذا الواقع من الفقر واليأس والاكتئاب تتقلص قدرة الناس على صحة التمييز وفهم الأمور فهما مؤسسا على الرؤية الكلية لها.

 

وتحسد الأكثرية الغالبة من الفلسطينيين في الضفة وغزة الإسرائيليين الذي يتظاهرون مساء كل سبت ضد نتنياهو وحكومته لسوء أحوالهم المعيشية في جو أزمة كورونا، ويتمنى هؤلاء الفلسطينيون أن تكون حياتهم في نصف أو ثلث جودة حياة هؤلاء الإسرائيليين. وما بدأ خطأ كارثيا في أوسلو 1994 وتواصل 26 عاما متعاظما مستفحلا يستحيل إصلاحه بنفس الذين صنعوه.

التعليقات : 0

إضافة تعليق