ســريــالـيـة... مـعـروف الـطـيـب

ســريــالـيـة... مـعـروف الـطـيـب
أقلام وآراء

 

معروف الطيب

انتهى العهد بالسرياليين القدماء في المصحات العقلية، وتراجعت البقية باتجاه الماركسية؛ لأنه لا يوجد شيء اسمه ثورة شاملة على كل شيء واستئصال المجتمعات من أجل لا شيء دفعة واحدة.

 

نتفهم الثورة على الظلم الاجتماعي وعلى الفقر والجوع، ونستوعب الخروج على الحاكم الفاسد الذي ديدنه القهر والتسلط على رقاب العباد، ولكن ما لا يمكن تفهمه هو التحرك ضمن دوافع (لا شعورية) غير واضحة المعالم يحركها وقود الكراهية الذي يطال كل شيء فالقتل والخراب والاستعباد والسلوك الهمجي لا يحتاج إلى تبرير، ويصبح الاستغوال سيد الموقف، وكما أخبر النبي الصدوق» لا يعرف القاتل لمَ قتل ولا يعرف المقتول فيمَ قُتل» ويصبح الحكم للسلاح وأكوام الذخيرة المتوفرة، ولو أسقطت طائرات تباعاً أطناناً من الذخيرة سيستمر الموت دون أن يكلف أحد نفسه بمجرد السؤال عمن يقف قبالته في الخندق الآخر؛ أو من يساعده في الخفاء، لأنه صنف نفسه فقط مستحقاً للحياة، ولو أن جماعة أخرى تحمل نفس الفكرة فهي حلال دمها لأن القدر ساقها للجهة الأخرى، وكان لها قائد آخر، وراية مختلفة التصميم.

 

الإنسان إذا خضع لمكنونات شهواته، ومخزون رغباته في (اللا شعور) هو وحش آكل للحوم البشر يعشق الخراب، ويقطع الأرحام، فظ غليظ القلب جافٍ مستأثر طمَّاع مؤذ لغيره قاسٍ متعطش للذبح وشرب الدماء. سمعت أحد المنظرين للسريالية الحديثة يعلِّم مريديه (فن) الذبح قائلا: «لا تحدوا السكين بل أبقوها مثلمة؛ بحيث لا تقطع اللحم مرة واحدة بل مرروها مرات ومرات واستمتعوا بذلك _ ثم أصدر من فمه صوتاً يدلل على هذا الاستمتاع _ واستطرد قائلا : «لأن الله سبحانه وتعالى يقول «ليذوقوا وبال أمرهم» وتفسير ذلك أن يتعذَّبوا عذاباً شديداً».

 

إن أسوأ ما في الأمر أن يربط الناس أفعالهم الشنيعة بالدين، فهم لا يقولون أنا أريد أن أكون مستمتعاً بعذابات الآخرين بل يقول الله يريدني، أو النبي أوصاني بذلك، وهم من خلال ربط رغباتهم الذاتية وشهواتهم بالنص الديني وتأويلاته البشرية إنما يلجمون المتلقي حجراً فلا نقاش بعد الأمر، لأنك إن ناقشت وقعت في المحظور وخالفت (النص)، ويساعدهم على ذلك أن المتلقي يكون في أقصى درجات الاستهواء؛ لأنه لا يميز بين ما هو إلهي وبين ما هو بشري، فعقال فكره منوط بما يريده المنظرون وحركته مرهونة بإشارة هذا الزعيم أو ذاك، ممن لهم وحدهم الحق في فهم النصوص، والتوجيه والأمر والنهي؛ أما هو فلا يجوز أن يعمل فكره حتى في أبسط المسائل، ولا يجوز أن يتساءل أو يناقش في أية فكرة، وعليه أن يأخذ من عبد الله ويتوكل على الله حتى لو كان الأمر يتعلق بحياته التي يلقيها في التهلكة، أو حياة الأبرياء الذين لا ذنب لهم ويطالهم بالأذى.

 

والمعضلة حتماً ليست في الأديان بل كما قال الشاعر أحمد مطر « لا ذنب لكل الأديان .. الخسة في طبع الإنسان.. ذاك يذبح بالإنجيل وذلك يذبح بالتوراة وهذا يذبح بالقرآن.

 

ولكن المجتمع يقع على عاتقه الجهد الأكبر في السماح بهذا الانهيار لأن على عاتق كل راعٍ مسؤولية، ولا يجوز لأحد أن يتنصل منها والمأزق في الأساس ثقافي، وتربوي، ولا شيء سيوقف هذا الانهيار سوى صمود المجتمع في وجهه؛ لأن الجمال حتماً ينتصر على القبح، ولأن النظام لا تريعه الفوضى، ولأن الهمجية لا يمكن أن تزيل الحضارة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق