عبد الله الشاعر
لطالما نادينا بضرورة الحوار الفكري، وعدم إكراه الناس على تبني آراء وأفكار مغايرة لما هم عليه، لكن ثمة فرق بين عدم الإكراه والترويج للرأي الآخر واحتضانه.
في المقالة الصحفية التي نشرها وليد العمري مدير مكتب الجزيرة في فلسطين عبر صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية بعنوان ( قتل حامل الرسالة ) إشارات خطيرة لا يصح المرور عنها, ففي مقالته يتفاخر العمري بالقول : “حتى ظهور قناة الجزيرة في العام 1996 لم ير معظم الجمهور العربي منذ ولادتهم إسرائيلي واحد على شاشة تلفاز, وهو يشير هنا إلى دور الجزيرة في إتاحة هذه الفرصة، وتوفير منبر الجزيرة للرأي الإسرائيلي في التعبير عن نفسه مقابل رأي المظلومين والمقهورين في العالم العربي والإسلامي، والذين يرون في «إسرائيل» سببا لبؤسهم وشقائهم.
وحرصاً من العمري على استعطاف القارئ الإسرائيلي يقول بأن “الأنظمة العربية نظرت (للجزيرة) على أنها أداة بيد «إسرائيل» بسبب استضافة إسرائيليين وإسماع وجهة نظرهم.” وهو قولٌ يعني ببساطة شديدة « أيها الإسرائيليون ، لقد سخّرنا لكم منبر الجزيرة حتى ظنّ الآخرون أننا عملاء لكم ، فلا تتركوا هذا المنبر يضيع من أيديكم، بل إن العمري يعلنها للإسرائيلي صراحة أن الجزيرة لم تتردد في نقل وجهة نظره حتى لو تصادمت مع الوعي الجمعي للعرب والمسلمين، وخالفت ثوابت الأحزاب العربية وشعوبها “لا تخشى عرضهما حتى لو كانت آراء فيها تحدي ومقلقة لجهات وأحزاب..” .
وإمعاناً في الاستجداء يقوم العمريّ بالتذكير أن الجزيرة” ومنذ تأسيسها قدمت لإسرائيل قناة نادرة لعرض وجهة نظرها ورؤيتها أمام العالم العربي والإسلامي وإقامة حوار معها…حتى قيام الجزيرة كانت «إسرائيل» إحدى الدول المعزولة في الشرق الأوسط, وها هي في هذه الأيام يهدد نتنياهو بإغلاقها ومعاقبتها وتغير القوانين لإسكاتنا.” فهل كانت رسالة الجزيرة كسر العزلة المفروضة على «إسرائيل» ، وتوفير السبل للعبور للوعي العربيّ وتدجينه ؟.
ما الذي يريده العمري من خلال هذا الاستعراض لبعض الخدمات التي قدمتها قناة الجزيرة للإسرائيليين، أهو مجرد استجداء رخيص، أم تذكيرٌ للإسرائيليين بجانب مهم من جوانب الرسالة المشبوهة التي تحملها الفضائية ؟
في الثوابت ليس هناك وجهات نظر ، فلا يصح القول إن هناك وجهات نظر مختلفة، أو الرأي والرأي الآخر حول مسائل محسومة دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، فحين نتحدث عن الضحية فلا يصحّ اعتبار الجلاد صاحب رأي آخر، وحين تصرخ دماء القتيل فمن العار أن نصف القاتل وأدواته بأنها رأي آخر مقابل القتيل ودمائه. فلماذا كل هذا الاستجداء الذي يمارسه وليد العمري للرأي العام الإسرائيلي؟.
لم تكن الجزيرة في لحظة من لحظات الصراع بريئة فيما تبثّ، إنما هي منبرٌ له أجنداته وإن تم تمريرها تحت غطاء الرأي الآخر .


التعليقات : 0