تيسير الغوطي
منذ نشأت القضية الفلسطينية بصدور وعد بلفور المشؤوم الذي أعطى اليهود الحق في أرض فلسطين، استشعر الجميع الخطر الداهم الذي يتربص بالأمة العربية والإسلامية وليس فلسطين وشعبها فقط، لذا عندما احتدم الصراع وأضحت القضية الفلسطينية على المحك عقب إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني ، تداعت جميع الدول العربية وأرسلت جيوشها إلى فلسطين بل أكثر من ذلك استخدمت الأنظمة القمعية في الدول العربية فلسطين وقضيتها كقميص عثمان لإدامة سيطرتها على الحكم وقهر شعوبها بحجة توجيه كل الطاقات والإمكانات نحو القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين.
هذا الوعي بخطر الكيان الصهيوني على الأمة العربية والإسلامية وشعوبها دفع بكثير من المفكرين الإسلاميين وفي مقدمتهم الدكتور توفيق الطيب لرفع شعار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للحركة الإسلامية العالمية وليتقدم الدكتور فتحي الشقاقي لتأصيل وترسيخ هذا الشعار من خلال الأبعاد القرآنية والتاريخية والواقعية التي تدفع باتجاه تبني هذا الشعار وجعله محورا لحركة ونشاط الحركات الإسلامية على امتداد الوطن الإسلامي خصوصا في فلسطين.
الوعي بشعار مركزية القضية الفلسطينية للحركة الإسلامية وفي ظل الممارسات القمعية والإجرامية للكيان الصهيوني بحق فلسطين أرضا وشعبا ومقدسات ألغي (أو أجل) كل الخلافات النسبية بينه أبناء الشعب الفلسطيني وتوجهاتهم السياسية، لتوجيه كل الجهود والطاقات نحو العدو المركزي المتمثل بالكيان الصهيوني الذي يهددهم بل يستهدفهم جميعا دونما استثناء أو تفريق .
بقي الأمر على هذا الحال حتى بدأت تخرج أفكار وللأسف تحت عناوين إسلامية تتناقض وشعار مركزية القضية الفلسطينية ومركزية العدو الصهيوني، تروج لأعداء آخرين وتضعهم في مقدمة أعداء الأمة وتقدمهم على الكيان الصهيوني, وتدعو للجهاد والمقاومة ضدهم وتأجيل ذلك ضد الكيان الصهيوني, حتى وصل الأمر لأن يترك فلسطينيون أرضهم ومعركتهم في فلسطين للذهاب للقتال والجهاد في أفغانستان ضد العدو الشيوعي الذي احتل أرض الإسلام في أفغانستان، وكأن فلسطين ليست أرضا إسلامية مغتصبة, وكأن الكيان الصهيوني ليست مغتصبا ومحتلا لأرض فلسطين ومقدساتها وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك.
تطورت هذه الأفكار بعد لي عنق كثير من النصوص الإسلامية واجتهادات علماء سابقين ومباركة بعض علماء السلطان لإنتاج الفكر التكفيري, الذي بدأ يجتاح بعض الإسلاميين خصوصا من فئة الشباب بدعم وتمويل من الأنظمة المتسلطة, ومباركة العلماء الدائرين في فلكها، لينتج على أرض الواقع أخطر أمرين يعيشها العالم الإسلامي، الأول تبديل قائمة أعداء الأمة التي كان على رأسها حتى عهد قريب الكيان الصهيوني, ويحتل رأس القائمة الأنظمة والحكومات الظالمة والجماعات والأفراد الذين يختلفون معهم في بعض المسائل الفكرية أو السياسية ، فيما يتراجع الكيان الصهيوني إلى ذيل قائمة الأعداء, بل أنه يصبح عند البعض صديقا وعند الآخر حليفا يمكن الاعتماد عليه والاشتراك معه في محاربة الأعداء الجدد في رأس القائمة المصطنعة أخيرا.
الثاني: ظهور فتاوى التفكير التي تجيز قتل المسلمين الذين يختلفون مع أصحاب تلك الفتاوى في بعض الرؤى والاجتهادات الفكرية وحتى المواقف السياسية, رغم انتمائهم للإسلام وتمسكهم بشريعته وشهاداتهم بلا إله إلا الله محمد رسول الله ، تحت مبررات أوهي من بيت العنكبوت, ولا تقنع أحدا إلا من قبل على نفسه إغلاق عقله وتفكيره أمام تلك الفتاوى والتفكيرية.
انتشار هذه الفتاوى التكفيرية أدى لاستسهال ارتكاب جرائم القتل بحق المسلمين المخالفين في الأسواق والأماكن العامة وحتى في المساجد, وفي كثير من الدول العربية والإسلامية مثل الباكستان وافغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا .. إلخ حتى وصل الأمر إلى فلسطين أخيرا بتلك العملية التي أقدم فيها أحد أصحاب الفكر التكفيري على تفجير نفسه في دورية حدودية على الخط الفاصل بين مصر وقطاع غزة .
خطورة عملية رفح التفجيرية لا تكمن في عدد الأرواح التي أزهقت أو عدد الأفراد الذين أصيبوا بعاهات وآهات على أهمية وخطورة ذلك ، بل تكمن أيضا في انحراف بوصلة الجهاد والمقاومة لدى أصحاب هذا الفكر من الأصل وهو الجهاد ضد الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين وشعبها ومقدساتها, إلى الجهاد ضد الجيش المصري في سيناء والذي عليه عشرات من علامات الاستفهام .
وتكمن كذلك في أن استسهال قتل أعضاء الدوريات الحدودية من أبناء القسام أو التابعين لحكومة حماس على خط الحدود, سيقود إلى استسهال قتلهم داخل الأسواق والبيوت وحتى المساجد في مدن وقرى القطاع المحاصر, وهنا تكمن الخطورة الأعظم حيث الاكتظاظ الكبير والذي سينتج أعدادا هائلة من الشهداء, وكل ذلك يقدم خدمات مجانية للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين أرضا وشعبا ومقدسات.
والسؤال ما الذي يدفع أبناء الشعب الفلسطيني المكتوي بنار وظلم الاحتلال المغتصب باتجاه الفكر التكفيري, الذي يحرفهم عن وجهتهم الحقيقية والأصلية في مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض والإنسان والمقدسات؟ صحيح أن الفقر والبطالة والفراغ وغياب الأمل كما الظلم الواقع على هؤلاء الشباب سواء من الاحتلال وإفرازاته أو من ذوي القربى, كلها أسباب تدفع بالشباب إلى الفكر التكفيري المنحرف، لكن هناك ما هو أهم من ذلك مثل التربية التنظيمية المنحرفة سواء نحو لون واحد من الفهم والتفسير للنصوص الإسلامية والتعصب له, أو بالانحراف نحو تخطيء الآخرين وقصر الصواب والحقيقة عليه فقط, أو ما يمكن أن نسميه احتكار التفسير للنصوص الإسلامية ، وكذلك التناقض الذي يراه الشباب من المسئولين في الحركات الإسلامية بين أقوالهم وواقع أفعالهم وممارساتهم على الأرض، وضيق الأفق والتفكير في القراءة والفهم والتطبيق, بحيث نرى بعض الشباب لا تتجاوز معرفتهم سماع عدد من المواعظ والخطب وأشرطة الكاسيت وقراءة كتيب أو كتاب, نراه يطلق العنان للسانه في التفسيق والتبديع وأخيرا التكفير بحق المخالفين له ولفهمه، ولا ننسى كذلك غياب المرجعية الدينية من العلماء المجتهدين المستقلين بعلمهم واجتهادهم عن السلطان وجوقته، إذ أن أغلب العلماء في العالم العربي اليوم هم من المرتبطين بهذا السلطان أو ذاك, بهذا الشكل أو بشكل آخر، مما جعل فتاويهم واجتهاداتهم على مقاس رغبة السلطان وحاشيته، ولا يجد أحدهم غضاضة في أن ينتقل بفتواه من النقيض إلى النقيض إذا كان ذلك يتماشى ورغبة السلطان.
وعليه فإن المسئول عن انتشار ظاهرة التكفير في المجتمعات الإسلامية إضافة لما سبق يتمثل في :-
- التعبئة الأيدلوجية التي يغذيها علماء السوء وعلماء السلطان, والتي تحتكر في الوقت نفسه الفهم والتفسير ليس الصحيح بل الأوحد للنصوص الإسلامية من آيات وأحاديث.
2- الظالمون الذين يحرمون الشباب من العيش والحياة الطبيعية، ويفقدونهم الأمل في المستقبل سواء بظلمهم أو حصارهم, أو غياب العدل والمساواة والشفافية في التعامل معهم ومع قضاياهم.
3- الذين تصدروا لقيادة العمل الإسلامي سواء في التنظيمات أو الحركات الإسلامية أو سلطات الحكم التي تتبنى الإسلام أو تدعيه، لكنهم فشلوا في تقديم النموذج الايجابي للمواطنين خاصة فئة الشباب ، ذلك النموذج الذي يمثل التطبيق السليم للإسلام في المعاملات والعدل والمساواة والشفافية وحق الحياة الكريمة, كما كان حال الخلفاء الأوائل أمثال عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
إن مشكلة بحجم ظاهرة التكفير ولجوء بعض الشباب إليها للخروج من الواقع المأساوي الذي يعيشون, تتطلب جهدا كبيرا في معالجتها والتصدي لها، خاصة وأن أجهزة المخابرات العالمية لاسيما الأمريكية والصهيونية استغلت ذلك الأمر للنفاذ والوصول إلى كثير من الشباب الطيب المتحمس للجهاد, واستخدامهم لتنفيذ أغراضهم وأهدافهم الإجرامية بدءا بتشويه الإسلام وحركات الإسلام السياسي, وليس انتهاءا بالتخلص من هؤلاء الشباب المتحمسين للجهاد, مرورا بقتل ما أمكن من أبناء المسلمين, وتدمير ما أمكن من مقدراتهم وثرواتهم، وحرف بوصلة الجهاد عن وجهتها الحقيقية المتمثلة بالعدو الصهيوني إلى أعداء وهميين .
وأول وسائل العلاج الناجح هو تصحيح مناهج التربية الفكرية التنظيمية وتعديل مسارها الأحادي باتجاه قبول الرأي الآخر، واستيعاب الآخر المخالف، واعتماد لغة الحوار للوصول إلى الحق والحقيقة بعيدا عن التخوين والتفسيق والتبديع، وعدم احتكار فهم وتفسير النصوص الدينية.
وثاني وسائل العلاج يقع على عاتق العلماء وأئمة المساجد وخطباء الجمعة والمواعظ في المساجد، الذين عليهم التركيز على سماحة الإسلام ورحمته بالآخر المخالف حتى وإن لم يكن مسلما، فما بالك بالمسلم الذي ينطق بالشهادتين ويدين بالوحدانية لله عز وجل، والبعد عن التعصب للرأي مهما كان الإنسان مقتنعا به, معتمدين في ذلك على النصوص القرآنية والنبوية وهي كثيرة جدا، والتحذير من التكفير وفتاويه التي إذا اجتمعت مع التعصب وضيق الأفق استحلت القتل والتدمير .....إلخ، بل إن ذلك يمثل طريقا سهلا للأعداء لاستغلال هؤلاء الشباب لخدمة مخططاتهم وأهدافهم .
وفي هذا السياق على وزارة الأوقاف حسن اختيار الخطباء وملقي المواعظ والدروس في المساجد, وعدم السماح لدعاة الفتنة والفكر التكفيري لاعتلاء المنابر والتأثير على الجمهور خاصة الشباب, وأيضا أولئك المتشددين الذين يضيقون على الناس ما وسعه الله عليهم, وكذلك الذين يحتكرون لأنفسهم فهم النصوص الدينية ويشنعون على مخالفيهم.
وثالث وسائل العلاج يقع على عاتق وزارة التربية والتعليم وكادرها من المعلمين والتربويين والمرشدين الاجتماعيين .. إلخ، وقبل ذلك مناهجها التربوية والتعليمية، والتي مطلوب منها أن تركز على مبادئ المحبة والتسامح والأخوة واحترام الآخر وحقه في الحياة والتفكير، واحترام الرأي الآخر مهما كان مخالفا، كما والتركيز على القيم الإنسانية الأساسية مثل الحرية والعدل والمساواة والشفافية والإنصاف ... إلخ، وملاحظة أن كل ما ذكر من مبادئ أخلاقية وإنسانية هي في الأصل مبادئ إسلامية مارسها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
ويجب التأكيد في سياق وسائل العلاج على خطأ المعالجة الأمنية وحدها فقط بالاعتقال والتعذيب أو الفصل التنظيمي كعقاب لأولئك الشباب الذين يبدون نزعة نحو ذلك الفكر التكفيري المتشدد، لأن العنف والحرمان سيولد عنفا مضادا أكثر تشددا وأكثر دموية ، وبدلا من ذلك يجب الأخذ بأيدي هؤلاء الشباب وانتشالهم من براثن هذا الفكر المنحرف باللين والأخوة والتصحيح الفكري,


التعليقات : 0