التهافت العربي على التطبيع مع "إسرائيل" تجليات فشل فظيع... حماد صبح

التهافت العربي على التطبيع مع
أقلام وآراء

 بقلم : حماد صبح

من تجليات الفشل العربي الفظيع تهافت ما يوصف بالدول العربية السنية على التطبيع العلني مع إسرائيل ، ونقول " العلني " لأن التطبيع السري كان قائما بين بعض مؤسسي هذه الدول وقادة الحركة الصهيونية قبل ظهور إسرائيل ، وتواصل سريا معها بعد ظهورها . واتخذ العداء بين بعض هذه الدول وبين إيران في السنوات الأخيرة مسوغا للتطبيع العلني مع إسرائيل باعتبار إيران عدوا للطرفين يجب أن يواجهاه معا . وتقود السعودية هذا التوجه . ويقدم دعاة التطبيع  في السعودية وغيرها مسوغات أخرى مثل :

 

أولا: الرغبة في الإفادة من الازدهار التكنولوجي الإسرائيلي في المجالات المتعددة ، وخص أحد دعاة التطبيع السعودي تكنولوجيا المياه بالذكر .

 

ثانيا: الإفادة أمنيا من قدرات الاستخبارات الإسرائيلية  الواسعة .

 

ثالثا: الثقة في قدرة إسرائيل على مساعدة بعض الدول السنية في تحسين علاقتها بأميركا وأوروبا ، ويأتي السودان هنا في الطليعة .

 

رابعا: الفلسطينيون لهم علاقات مباشرة متنوعة مع إسرائيل ، ولا داعي لأن يكون هؤلاء العرب فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين ذاتهم .

 

خامسا: الإعجاب بالمثال الإسرائيلي في الديمقراطية ، ويقع التركيز هنا على محاكمة كبار القادة والشخصيات الاعتبارية في إسرائيل وإدانتهم أحيانا ومعاقبتهم بالسجن الفعلي ، وهو ما لا وجود له في العالم العربي .

 

وحركت أحدث دعوة عربية للتطبيع  مع إسرائيل ردات فعل واسعة عربيا وإسرائيليا ، ونقصد دعوة مبارك فاضل المهدي نائب رئيس الوزراء ووزير الاستثمار السوداني . واستجاب لها أيوب قرا وزير الاتصالات الإسرائيلي فورا ، فدعا المهدي لزيارة إسرائيل .

 

ويطول حديثنا لو خصصنا المسوغات الخمسة ببعض ما تستحقه من تفنيد ، ويمكن التوكيد بإيجاز حاد أنها تجليات للفشل العربي الكبير الفظيع  الذي رافق العرب منذ ظهور إسرائيل موفرا لها أسبابا كافية للتعملق على حداثتها عمرا وصغرها مساحة وسكانا ، ويدفعهم الآن إلى هذا التهافت المخزي للتطبيع العلني معها طمعا في الإفادة منها ، وهم الذين يملكون من مصادر القوة ما يجعلها قزما صغيرا لو أجادوا استغلال هذه المصادر ووجهوها الوجهة الصحيحة ، الإنجاز الذي عجزت عنه أنظمتهم القبلية والعسكرية المستبدة التي ما كانت لتنتج سوى هذا التقزم العربي اللامتناهي . السعودية وحدها كانت قادرة على أن تكون عملاقا في كل شيء لو لم تُدَرْ بعقلية ومصالح  قبيلة واحدة هي قبيلة آل سعود .  لنتخيل أن كوريا الشمالية التي هي نصف وطن امتلكت إمكانات ومصادر ثروات  السعودية ! أي قوة عظمى ستصبح ؟! السعودية التي تريد أن تفيد من تكنولوجيا المياه في إسرائيل ؛ عاد إليها في عشرات السنين  مئات الآلاف من المتخرجين في الجامعات والمعاهد الأميركية والأوروبية في مختلف تخصصات المعارف والعلوم والمهارات  المهنية المتنوعة ، أين تأثيرهم ودورهم ؟! وهل تكنولوجيا المياه محصورة في إسرائيل ؟! والمشكلات الأمنية التي يريدون الإفادة من استخبارات إسرائيل في مجالاتها ؛ هي مشكلات أمن الحكام لا أمن الأوطان ، ولو أقامت الدول العربية أنظمة حكم سليمة ذات قواعد شعبية ما خاف الحكام شعوبهم، ولكانوا أقوياء في مواجهة عدوان أميركا وأطماع أوروبا التي لم تفارق نزوعها الاستعماري القديم وإن بدلت أساليبه ، ولما اعتازوا معاونة "إسرائيل" في استدرار رضا أميركا وأوروبا عنهم . والديمقراطية ليست منتجا إسرائيليا خاصا ، والعرب اطلعوا على صورها في أوروبا وأميركا قبل ظهور إسرائيل ، وعرفت بعض الدول العربية حياة برلمانية حتى في ظل الوجود الاستعماري على أرضها . والديمقراطية الإسرائيلية خاصة باليهود ، وتستثني الفلسطينيين إلا من شكليات لا تؤثر في واقعهم الفعلي أي تأثير إيجابي ، وكون إسرائيل ديمقراطية لا يوجب قبول اغتصابها للوطن الفلسطيني . سرقة لص لمالنا ببراعة لا توجب قبولنا لسرقته .

 

وإيران التي تراها "إسرائيل" عدوا لها لا يليق أن يراها أحد من العرب بنفس العين الإسرائيلية، والسعودية متصدرة معاداة إيران تتجه الآن للتهدئة إزاءها ، وربما لمصالحتها وإعادة علاقاتها الدبلوماسية معها ، وإن حدث هذا سيسقط المسوغ الرئيسي لتطبيع الدول العربية السنية مع "إسرائيل" . أما صور التطبيع الفلسطيني مع "إسرائيل" فيلخصها  بعض التلخيص قول المتنبي: " ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى * عدوا له ما من صداقته بد ".

 

إنه تطبيع يفرضه واقع وجود الطرفين في جغرافيا واحدة ، ونقر بأن التنسيق الأمني الذي يرفضه الشعب الفلسطيني تطبيع مشين ألحق بالقضية الفلسطينية أكبر الأضرار التي يكاد يستحيل إصلاحها في القريب المرئي .

                                         

حلول مشكلات المتهافتين على التطبيع مع "إسرائيل" موجودة في بلادهم ، وليست في هذه الدولة ذات الأطماع المعروفة في العالم العربي والإسلامي ، وهي أطماع تتجاوز فلسطين ،ومهما صادقها أكثر العرب فلن تتخلى عن هذه المطامع ، وفي الاتجاه المضاد ، لن يكف الشعب الفلسطيني عن التعلق المتين بحقوقه التاريخية والقانونية في وطنه ولو طبع كل العرب مع "إسرائيل" ، والإسرائيليون يعرفون هذه الحقيقة أكثر مما يعرفها ملاهيف التطبيع العرب معهم.

 

الإسرائيليون يعيشون واقع وجودهم في ذات الجغرافيا مع الفلسطينيين ، ويدركون بعمق أن التطبيع مع كل العرب لن يجلب حلا نهائيا يلائمهم لما يخلقه هذا الواقع من حقائق صارمة صادمة ، وأخطر هذه الحقائق أن عدد الفلسطينيين الآن بين النهر والبحر يفوق عدد اليهود ب 2 % وأن هذا التفوق سيصبح في 2020 ،   8 % .

 

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق