الكتابة بين العادة والمسؤولية... الشيخ: نافذ عزام

الكتابة بين العادة والمسؤولية... الشيخ: نافذ عزام
أقلام وآراء

الشيخ: نافذ عزام

لم تعد الكتابة أمرا سهلا، وبالذات لمن يعيش في هذه المنطقة من العالم، ونحن نقصد منطقة الحوض العربي والإسلامي، الكتابة صعبة بشكل عام إذا أراد الكاتب أن يبحث عن الحقيقة، وأن يبتعد عن المجاملة والنفاق والتضليل، تكون الكتابة صعبة إذا حمل الكاتب رسالة وتحلى بالمسؤولية وروح الصدق، وسعى لأن تكون كلماته منارات تهدي الحيارى والباحثين عن الحق، وتزداد الصعوبة في مواجهة واقع كهذا الذي نعيشه وتعيشه الأمة العربية والإسلامية، حيث تختلط الامور وتتبدل الخيارات، وتملأ التناقضات البرامج والسياسات.

 

في هكذا واقع، تصبح الكتابة ضربا من المغامرة، ويصبح الكاتب كمن يسير في حقل من الألغام، والأمر لا يقتصر على فلسطين، وما يجري فيها، بل ينسحب على معظم بلدان المنطقة، ومعظم أزماتها ومشاكلها...

 

إذا نظرنا الى الكتابة على أنها جزء من الالتزام الذي يُفترض أن يعيشه الإنسان تجاه كل شيء، فإن من الواجب التأكيد على جملة من المعايير والعناصر التي تمثل قاعدة للكاتب الحر والمسؤول، والذي لا يجوز بحال أن يبيع قلمه، لأن القلم هنا هو الإيمان والقلب والعقل والمشاعر، ولأن القلم لا يصبح في هذه الحال مجرد وسيلة لصياغة الكلمات والحروف والعبارات... يكتسي القلم هنا بروح صاحبه، ويجب بالتالي أن ينبض بالحياة ويشيع الفاعلية الإيجابية ليتمكن من بعث كل قيم الحق والخير في النفوس، مما يعطي الفرصة لكل من يريد المساهمة في جعل الحياة أكثر احتمالا وأقل قيما...

 

الكتابة ليست ترفا، وليست وسيلة للارتزاق، فهي جزء من الإيمان وتعبير صارخ عنه، وطالما أننا ذكرنا المعايير والعناصر التي يُفترض أن تضبط أي نوع من الكتابة فأول هذه المعايير هي الموضوعية، التي تعني الصدق والشفافية في الحديث عن أية قضية، وفي مناقشة أية فكرة، والتسويق لأي برنامج أو مشروع..

 

الموضوعية يجب أن تلزم الكاتب بالبحث عن الحق وأن تُلزمه في ذات الوقت بعرض الوقائع كما هي، دون تدخل منه ودون انحياز، ودون تمويه أو تضليل، الموضوعية التي يمكن ان تعني العدل في الحديث عن الخصوم تماما كما الحديث عن الأصدقاء، والعدل الذي يعني ذكر الكاتب لكل ما يتعلق بالقضية التي يناقشها ويتناولها بالنقد والتحليل.

 

ثاني المعايير يتعلق بالوعي والمعرفة، فلا يجوز أن تكتب شيئا حول أي شيء إذا لم نكن نملك المعرفة اللازمة والوعي بالجوانب المؤثرة والعوامل المحيطة بالقضية أو الفكرة التي نناقشها.. المعرفة التي هي عكس الجهل، والتي ستعيننا على فهم المسألة بشكل أفضل، وتبعدنا عن التقييم الخاطئ، والظن السيء بالناس والأفكار، والبرامج.. المعرفة التي لا تجعلنا نهجم على المسائل هجوما، فنقع بالتالي في التسرع والأحكام الخاطئة...

 

المعيار الثالث يتعلق بالالتزام الذي يعني أن تكون الكتابة تعبيرا عن الهم الذي يعيشه الكاتب، وصدى لانفعاله بما يجري، وهذا شيء يظهر في كل كلمة وكل حرف.. ويمكن التعبير عن ذلك بعدم وجود انفصال بين الكاتب وكلماته ومعيار رابع يجب الإشارة إليه يتعلق بالتعصب للفكرة أو للكيان.. التعصب مذموم عن كل الشرائع، ومذموم في كل وقت، فهو يعمي الإنسان عن رؤية الأمور على حقيقتها، ويضيق مساحة التفكير أمام الإنسان، ويضع عشرات الحواجز بينه وبين الآخرين.. التعصب يوجه الكاتب بما يخدم الفكرة التي يؤمن بها سلفا، وبما يمجد الشخص الذي يحبه سلفا، والتعصب يخفي الحقائق، ويقلل فرص الكاتب للاستفادة من تجارب غيره، أو الإطلال على إنجازات آخرين، وضعهم في لا وعيه في القائمة لسوداء لأنهم يختلفون معه أو لا يتفقون معه بشكل كامل...

 

التعصب يُفقد الكاتب القدرة على توصيف ما يجري بشكل صائب، ويفقده القدرة بالتالي على وضع حلول أو اقتراح مخارج للأزمات الموجودة.. إذا لم يلتزم الكاتب بالموضوعية، وإذا لم يمتلك الوعي والمعرفة، وإذا لم عاش منفصلا عما يكتب، وإذا سيطر عليه التعصب لفكرة أو شخص أو كيان فما الذي نتوقعه، وما الذي سينتجه هذا الكاتب..

 

إن النتيجة لغياب المعايير هذه هي التي نراها، ونعايشها على امتداد الوطن العربي والإسلامي، وهي انسداد الأفق، وفقدان أجيال بأكملها الثقة بالواقع والأشخاص الذين يحكمون ذلك الواقع، بل وتنسحب حالة التشوش تلك لتصبح فقدان ثقة بالمستقبل، وهذه ربما أخطر ما يمكن أن يعيشه شعب أو أمة ما.. أن يفقد الشعب أو تفقد الأمة ثقتها في المستقبل رغم ذلك تذهب الكتابة في اتجاه آخر، مما يزيد في المشكلة ويفاقم الأزمة فهل ندرك إذا حجم الأمانة التي يحملها أي قلم يتصدى للكتابة عن أي شيء حتى لو كتب عن كرة القدم؟!

التعليقات : 0

إضافة تعليق