مرايا
كتبها: محمد الفاتح
بتاريخ: 9/06/1995
عقب هزيمة الخامس من يونيو/ حزيران 1967 احتدم الجدال في أوساط الفكر العربي حول تسمية الهزيمة: هل كانت «نكبة» أم «نكسة»؟
من كان يظن أن الذي سيحسم هذا الجدال بشكل قطعي «وكسة» يقبل فيها «المشروع الوطني الفلسطيني» الرسمي بآثار وهزيمة النكبتين (1948و 1967) كأمر واقع, بل قدر لا يقاوم, وليستحق بجدارة وصف «النكبة الثالثة».
«النكبة الثالثة» ليس إحياء لمخزون لغوي هو في نظر البعض اليوم «غير مألوف» بل بالت عليه «الثعالب» وصفقت لذلك «الأرانب»!
«النكبة الثالثة» هو الاسم غير المنطوق في الضمير الشعبي لاتفاق «أوسلو» الذي يعتبر أخطر حدث في تاريخ الشعب الفلسطيني بعد النكبتين وهو أخطر من الانتفاضة لأنه جاء ليفترسها وينهي القضية الفلسطينية.
بعد «النكبة الثالثة» لم يعد العدو بحاجة ليرسل طائراته لتدمير طائرات ومطارات العرب فبعضها الآن مفتوح في وجه طائراته على الرحب والسعة.
وبعد «النكبة الثالثة» لم يعد العدو بحاجة إلى إرسال دباباته وآلياته لاحتلال غزة بالالتفاف على «تبة المنطار» وضباطه وجنوده يستنشقون الهواء العليل على قمم جبال «هانوي العرب!» شرق النهر, ويرقصون في بارات مراكش دون الحاجة لشارون أن يبرّ بقسمه ويقود جيشاً لاحتلالها كما هدد عقب اجتياح بيروت!
بعد النكبتين, كنا نعرف الوطن, ونعرف الطريق إليه.. وبعد «النكبة الثالثة» تضاءل الوطن فصار بحجم بند في اتفاق, فلم يعد من السهل التعرف عليه.. واختلفنا على الطريق فصار من الصعب الوصول إليه!
هل تذكر أزيز «الميراج» في سماء غزة, وهدير دبابات «السنتوريون» في شوارعها في صيف السابع والستين؟!
نعم أذكر ذلك.. وأذكر بكاء أبي يوم استقالة «جمال عبد الناصر» في التاسع من يونيو, وأذكر صوت عبد الناصر في اتصاله الهاتفي الشهير بالعاهل الأردني الملك حسين, والذي كان مثار سخرية العدو لسنوات وهي تردد صوتيهما «ألو.. أنا بطلّع بيان وأنت بتطلّع بيان!
وأذكر أيضا لاءات الخرطوم الثلاث.. وشعار إزالة آثار العدوان.. وأذكر قبلها المرحوم الشقيري وخطبه النارية, وأذكر بعدها كتاب المرحوم محمد جلال كشك «أخطر من النكسة».. ليته كان معنا ليرى ما هو «أخطر من النكبة»! إنه «ابتلاع آثار العدوان»، والتسليم للعدو بسيادته على أرضنا وحقه بالعيش آمنا فيها وحقنا نحن في التشرد والترحال المستمر!
الذين جاءونا على فوهات الموت والدمار علينا أن نسلم أنهم دعاة سلام وأن نشطب الماضي (أي التاريخ), لنصبح كشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار.
هل هناك إهانة أعظم أو نكبة أفدح من أن تسلب أمة تاريخها فتقطع صلة يومه بأمسها.. كيف إذن يكون غدها؟!
الأمة المهزومة هي التي تقبل بذلك عندما ترضخ لموازين القوة الظالمة.. وعندما يختل ميزان القوة بشكل فادح كما هو بيننا وبين عدونا اليوم, فإن أي لقاء طوعي مع العدو يجعل مع الهزيمة سيرورة تمنع استرجاع الحقوق المغتصبة, وتفتح الباب لمزيد من الخسران. ولا يمكن تسمية رضوخ المهزوم للمنتصر سلاماً بل هو استسلام سيزيد المنتصر انتصاراً ويدفع بالمهزوم إلى ما هو أبعد من الهزيمة.. يدفعه إلى الاستلاب النفسي والعقلي الذي يتحرك فيه المهزوم لا إراديا وفق مشيئة المنتصر وأهدافه.
وهنا يفقد المهزوم شرعيته مع أهله فيجري تعويضها بتركيزه على قدمين هزيلتين: عدو خارجي يخوّف المهزوم من أهله وشعبه فيدفعه إلى البطش بهم وقمعهم الأمر الذي لا يعني سوى المزيد من فقدان الشرعية.. ثم الانتساب الوهمي إلى ماضٍ مُضيّع يتم استحضاره بشكل ممسوخ ليخدم أهدافاً سياسة مباشرة, ويُنتج ثقافة وسياسة تلفيقية هي ثقافة وسياسة «النكبة الثالثة».. إنها ثقافة وسياسة تطالب بالإفراج عن المعتقلين في سجون العدو وتعتقل المزيد في سجون السلطة.. إنها تمجد الشهداء القدامى وتلاحق أي «مشروع شهيد» جديد وتصمه بالإرهاب!
إن أبواق الدعاية المنفخة تحاول تسويق هذا الخطاب الذي يحجب عن عيوننا صورة الوطن الذبيح.
فهل يأتي اليوم الذي يتضاءل فيه الباطل ليكبر الوطن, فنراه ناصعاً كاملاً من جديد فنسلك الطريق الواضح والصعب إليه, خارج مايو المفجع, وخارج يونيو المُوجع, في الزمن الهجين؟!
*محمد الفاتح: الاسم المستعار للشهيد القائد الأمين العام لحركة الجها د الاسلامي في فلسطين د. رمضان عبد الله شلح.


التعليقات : 0