معروف الطيب
لا توجد خيارات أمام (أبو عرب) بعد أن أدخلوه مجلس المختار سوى أن يجاري وجهاء القوم فيما يريدونه من شعبه، مع أن دوره كان ريادياً متقدماً في صون حماه، هناك من فوق التلال يفرض قانونه المبني على الحق والشرف.. حقاً إنه إنجاز(شيطاني) أن يتمَّ جره لهذا المربع من الأقارب والغرباء على حد السواء.. ففي الكهوف والجبال القانون لبندقيته التي يلعلع رصاصها المتمرد ويزعج الجميع من كل القبائل.
كان عليه أن يتمهل في الحسابات، ولكنه مشهور باندفاعه، وضمور حكمته، والآن هو أكثر ضعفاً.. قد يقول قائل : ليس كل ما نقبل به يكون من ضمن اختياراتنا، فالظروف تحكم.. نعم، هذا صحيح ولكن المعيب أن أساعد الظروف على نفسي لتهينني، فما أسهل صياغة الأعذار، ولكن يستعصي على أفهامنا أن نلتمس العذر لمن (فلق رؤوسنا) منذ نعومة اظفارنا يحذرنا من مبدأ «فرِّق تسد» ويرعبنا من خروج عود الحطب من حزمته؛ لأنه سينكسر بسهولة، ويظل قوياً في حزمته. ثم يذهب إلى تمزيق ذاته وتقطيع أوصاله في قرار اتخذه هو أو غيره في لحظات. صوت (الأنا) الطاغي يمنع من رؤية الآخرين، ويجعل الاعتذار (حراماً) ولو علناً على الأقل وأهون على نفسه ألف مرة أن يستمر مكابراً نحو الأمام وهو متأكد أنه سيرتطم بالجدار أو سيلجأ لنباتات (الظل) يطلب منها العون، مع أن نبات الظل لا يستطيع أن يساعد نفسه ويموت إذا ما طلعت الشمس ..هي حالة الوهن إذن تجعله يبرر نفسه في كل موقف جديد يتناقض فيه مع مبادئه وما أكثر التناقضات التي يدخل نفسه فيها!.. هو لا يستفيد من التجارب ولا يقرأ بإمعان تاريخ الأمم، ولا حتى يستطلع محيطه جيداً فقد أثبتت التجارب فشل الجمع بين المتناقضات؛ لأن ذلك يدلل على فقدان الهوية.
الحكومة والمقاومة لا يلتقيان في مشروع فلسطيني واحد؛ لأن الحكومة (السلطة) هي ناتج لمشروع تسوية كمحصلة لإقرار بالهزيمة، وعدم القدرة على التحرير في محاولة استمرت لعقود، أما رعاة التسوية من الأجانب فهم رعاة المشروع وهم يقدمون الطعام ليس حباً ولا عشقا بسواد عيون الفلسطيني، بل هو ضمانة لبقاء خيار التفاوض خياراً وحيداً للتعاطي مع العدو وإلا فالموت.. وعندما تطمع المقاومة في أن تترأس سلطة أوسلو فهي تطلب مستحيلاً، اللهمَّ إلا إذا كانت تقبل مختارة أن تسلخ جلدها فتصبح كائناً مشوهاً لا مقاومة ولا مفاوضة.. نحتاج إلى إعادة تقييم التجارب، والمكاشفة، وعدم خداع الذات، وهنا بداية وضع القدم على أول الطريق ووقتها سنتساءل: كم تقدمنا في مشروعنا الوطني سواء أكنا مقاومة أو (مفاوضة)..هل نجحنا في اقناع الجماهير التي اقتلعنا من بين أيديها توكيلاً لتحرير البلاد؟!. وكيف نسمي التراجع في طموح الإنسان الفلسطيني باتجاه ملء خزان الماء الذي قد ينقطع لعدة أيام، أو شحن بطارية (اللدات)، وقد يقضي ليالي كاملة ينتظر الماء والكهرباء.. من المسؤول عن انحسار حلم الفلسطينيين فلا المحررون حرروا ولا المفاوضون أنجزوا.
شخصياً أشعر بالأسف على فشل الطرفين المقاومة والمفاوضة بعد كل هذه العقود من المحاولات، من تحقيق شيء سوى إيصال الناس إلى الحفرة.. وقصة الحفرة هي أن رجلاً خرج عليه لصوص وسلبوا قطيع غنمه فأخذ يلاحقهم مطالباً بغنمه، أمسكوه وألقوه في الحفرة، أخذ يصرخ مطالباً بإخراجه من الحفرة، ألقوا تحت أقدامه أفعى ، استنجد بهم وطالبهم (فقط) بإبعاد الأفعى عنه.. ولا يدري (أبو عرب) المسكين أنه دون أن يشعر قبل بفكرة الحفرة بديلاً عن قطيعه، وأصبح أقصى طموحه أن يحيا في حفرته، محاصراً من كل الجهات.
قد يقول قائل: هذه فذلكة. أين حل اللغز؟!.أعتقد أن الحل يكمن في التوقف عن اللهاث على السلطة؛ لأننا حقاً (أول) شعب في تاريخ البشرية تصارع على الحكم قبل أن يحرر وطناً.. لا يكمن الحل أيضاً في دخول فصائل المقاومة لمنظمة التحرير؛ لأنهم إن فعلوا يصبحون كمن يضع عنقه على المذبح، ويقبل بالقيود الدولية غداً.. الحل يكمن في حسم الموقف فالمفاوض من خلال التفاوض يصل إلى تعرية العدو في صلفه، والمقاوم يقاوم بلا هوادة حتى التحرير.


التعليقات : 0