اجتماع الأمناء العامين، ماذا بعد؟.. شفيق التلولي

اجتماع الأمناء العامين، ماذا بعد؟.. شفيق التلولي
أقلام وآراء

بقلم: شفيق التلولي

في دفاتر معين بسيسو الفلسطينية هبت غزة عام ١٩٥٥م رفضا لمشروع التوطين في سيناء ورددت تهتف خلفه: ''كتبوا مشروع التوطين بالحبر وسنمحوه بالدم''، وفي ملحمة بيروت عام ١٩٨٢م سطرت الثورة الفلسطينية أسمى معاني البطولة والفداء حتى غادرت قوات الثورة بيروت وعلى رأسها قائدها ياسر عرفات؛ حفاظا على أرواح المدنيين العزل، خرجت وأسلحة فدائييها مشرعة على متن سفينة العودة.

 

ربما تشبه هذه السفينة تلك التي هاجر على متنها القائد الفلسطيني صلاح خلف طفلا من يافا يوم أن أرادوا أن يكون الفلسطيني بلا هوية، فرسمت سفينة العودة التي انطلقت من بيروت الهوية وظلت برسم العودة.

 

كما لم تسمح منظمة التحرير الفلسطينية باحتواء هويتها وكيانيتها، فخاضت غمار معركة القرار الوطني الفلسطيني المستقل حتى انتصرت لقرارها المستقل، انتصرت بالوطن للوطن خلال دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام ١٩٨٤م في العاصمة الأردنية عمان.

 

وفي انتفاضة الحجارة عام ١٩٨٧م شكلت القيادة الوطنية الموحدة بلجانها الشعبية وأذرع قواتها الضاربة وفعالياتها المختلفة أنموذجا وطنيا كفاحيا يحتذى به، استطاع أن يبقي على جذوة الانتفاضة متقدة، مما أعاد الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهة الخريطة السياسية بمشروعها الوطني الذي فُرض على العالم خلال مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩٠م.

 

ثم حطت القوات الفلسطينية برحالها أرض الوطن عام ١٩٩٤م إثر توقيع اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣م، حطت بعد ان جالت سفينة العودة التي أقلعت بهم من بيروت عواصم عربية عدة؛ ليحق قول عرفات إن وجهة السفينة إلى فلسطين، يوم أن سأله الصحفيون إلى أين تتجه يا أبا عمار؟

 

أما بعد، وقد تعرضت سفينتنا لما تعرضت له منذ أن رست في ميناء ما استحقته من الوطن إثر ما ألم بها من أعاصير في زمن النزول من على جبل أحد الفلسطيني وجمع الغنائم والتردي والتشظي والانقسامات والتجاذبات، قفز من السفينة الفئران، لكنها أخذت تمخر عباب البحر وعلى ظهرها القابضين على الحلم الفلسطيني.

 

وجرى ما جرى في عالمنا العربي من رياح عاصفة ادعت التغيير، فنشأت أزمة الدولة الوطنية التي نالت من بعض الأنظمة الشمولية والعميقة وسيقت بلدانها لظاهرة التطرف والتوحش والإرهاب المبرمج الذي تفشى فيها تحت مسميات دينية، حرفت بوصلتها عن القضية العربية الفلسطينية حتى أضحت في آخر حساباتها، وانصرفت إلى ما أشغل بالها نتاج ما سُمي بالربيع العربي، وبعضها حاول منع تدهور نظمها السياسية، ففاتلت واستماتت من أجل عدم تقويضها واحتوائها من الداخل وما زال يتهددها خطر حروب الجيل الرابع.

 

أما بعض الدول العربية التي أمنها الفاعلون الدوليون بفعل تحالفاتها مع النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وسارت في ركب تلك المنظومة على حساب العمل العربي المشترك، استغلت تلك الحالة التي أصابت الدول العربية ممن هي على تماس مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وفي صراع مستمر وطويل معها وراحت تعيد حساباتها وترتب اتفاقيات معها تساوقا مع "صفقة القرن" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالشراكة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

 

فيما تجلت باكورة تلك الاتفاقيات في الإعلان الأخير عن اتفاق ثلاثي أمريكي إسرائيلي إماراتي على إقامة علاقات طبيعية فيما بين دولة الإمارات العربية و"إسرائيل" وبرعاية وشراكة أمريكية؛ لتدشن بذلك جسرا للعرب التي لا نتمنى أن تنفلت من عقالها باتجاه السير على ذات النهج الذي خطته دولة الإمارات وخرجت عن الإجماع العربي في التعاطي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

وفي خضم كل التداعيات التي مرت بها القضية الفلسطينية خلال إبحار سفينتها وسط كل تلك العواصف الهوجاء وما نتج من متغيرات محلية وعربية وإقليمية ودولية أثرت بشكل كبير على المشروع الوطني الفلسطيني وبخاصة الانقسام الفلسطيني الجاري والطويل وما أعمله من أفاعيل.

 

ما جعل غزة محط سجال أساسه محاولة إقصاء الشرعية الوطنية عنها والاستفراد بها تنفيذا لمشروع بديل عن المشروع الوطني الفلسطيني وكذلك إضعاف الكيانية الفلسطينية وإبعاد عمقها الاستراتيجي من خلال فصل غزة عنها والترويج لوصايات مغايرة لعمقها الاستراتيجي العربي المتمثل بمصر ومكانتها الجيوسياسية وإلحاق غزة لولايات إقليمية وعربية بعيدة عن ذلك العمق تنفيذا لأجندات وحسابات تصب في ذات الطريق التي تؤدي إلى صفقات تصفوية للوجود الفلسطيني ومشروعه الوطني.

 

اليوم وبعد كل ما مرت به القضية الفلسطينية ينعقد في مدينتي رام الله الفلسطينية وبيروت اللبنانية اجتماع مهم للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس؛ للوقوف على ما آلت إليه كل تلك التطورات الدرامتيكية، هذا اللقاء الذي يعد خطوة في الاتجاه الصحيح يجب أن يؤسس لاستراتيجية وطنية جديدة قائمة على برنامج عمل سياسي وأدوات قادرة على تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية والتصدي لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية ومواجهة اتفاقية التطبيع الإماراتية الإسرائيلية والتصدي لها ووقف قطارها ومجابهة كل من يسير في ركبه من عرب ومن والاهم.

 

نعم، الرهان على جبهتنا الداخلية التي يجب أن تعيد بوصلة وجهتنا الوطنية كفلسطينيين وتحديدا نزع الرهان على ورقة غزة وإعادتها إلى الحضن الفلسطيني الجامع وانخراط الكل الوطني بمن فيه حركتي حماس والجهاد الإسلامي في منظمة التحرير الفلسطينية الوطن المعنوي للشعب الفلسطيني وكيانه السياسي كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ومن المفيد بمكان ألا يخرج هذا الاجتماع إلا بالإعلان عن إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الفلسطينية ولوجا للوحدة الوطنية التي طالما رعت مشروعها مصر التي يجب أن تبقى حاضرة في الزمان والمكان كصاحبة الدور الطليعي لأمتنا العربية؛ لما لها من أهمية كبرى في الحفاظ على العمق العربي بالنسبة لفلسطين.

 

تُرى ماذا نحن فاعلون؟ هل سنعتبر من التاريخ الذي سقناه في مستهل المقال، وهل سنكون بحجم تلك التحديات التي استعرضناها في متنه؟ لعل وعسى أن يفضي هذا الاجتماع الفلسطيني المهم إلى ما يتمناه شعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده ويترقبه المراقبون؟

التعليقات : 0

إضافة تعليق