قراءة في بيان أمناء الفصائل الفلسطينية.. التنسيق الأمني مستمر.. والمقاومة الشعبية تنازل لعباس

قراءة في بيان أمناء الفصائل الفلسطينية.. التنسيق الأمني مستمر.. والمقاومة الشعبية تنازل لعباس
أقلام وآراء

حماد صبح

أصدر الأمناء العامون للفصائل الفلسطينية بيانا ختاميا لاجتماعهم الذي انعقد في رام الله وبيروت عبر تقنية الفيديو، وترأسه عباس . وأول ما نلاحظه على صياغة البيان خلوه من البسملة، وهذا لا يليق بهوية الشعب الفلسطيني الإسلامية، وقطعا هو غير مقصود . وننبه إلى أن البسملة في صميمها تعني الاستعانة بالله _ وعز وجل _ في الأمر الذي يقدم عليه المسلم قولا أو عملا ؛ أملا في أن يأتي القول أو العمل بالخير لمن يقدم عليهما، واسم الله _ تقدست أسماؤه _ لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، ولهذه القيمة العظيمة للبسملة يسمى أي بيان أو خطاب يخلو منها ” أبتر ” أي مقطوع الخير . وثاني الملاحظات على صياغة البيان أنه أسقط صفة ” الفلسطيني ” في مخاطبته للشعب الفلسطيني ” شعبنا العظيم “، وهي غفلة ما كان لها أن تكون لأهمية صفة ” الفلسطيني ” في هذا المقام، بل هي أهم من ” العظيم ” التي ما زادتنا خردلة . ونأتي إلى مخرجات البيان: نلاحظ أنها توافقية استهدفت تجنب الخلافات، والحركة التي لم يُراعَ موقفها في هذه التوافقية هي حركة الجهاد التي لا تقبل بدولة في غزة والضفة، وتتطلع إلى دولة في كل فلسطين من نهرها إلى بحرها وسيلتها الكفاح المسلح لا المفاوضات العابثة التي استهدفت منها إسرائيل دائما الفوز بكل شيء أو تضييع الوقت.

 

ومن التوافقية في البيان دعوته إلى مقاومة الاحتلال مقاومة شعبية باعتبارها الانسب في هذه المرحلة، وإن أشار البيان إلى حق الشعب الفلسطيني في مقاومة هذا الاحتلال بالوسائل كافة إلماحا إلى استعمال السلاح في هذه المقاومة . والتوافقية في البيان مكسب لنهج عباس، وتنازل من حماس . وتكوين لجنة من الأمناء العامين وشخصيات وطنية لطرح رؤية بعد خمسة أسابيع تنهي الانقسام وتصلح منظمة التحرير سيركز الأنظار الفلسطينية علي هذه اللجنة ولو بقليل من الأمل ترقبا لما ستطرحه . وأغلب الظن أن ما كان سابقا سيكون تاليا، وستنتهي مخرجات البيان إلى ما انتهت إليه كل مخرجات البيانات الفلسطينية التي سبقته بعد 2007 سنة الانقسام ؛ لأن كل الجياد الفلسطينية الحالية التي تجر العربة الفلسطينية انتهت صلاحيتها الزمنية وهرمت، وقبل انتهاء الصلاحية والهرم أخفقت في قيادة العربة الفلسطينية إلى أي مكسب وطني ملموس .

 

وحتى اللحظة لم يصدر عن إسرائيل أي إشارة انزعاج من البيان، وهو ما يبين معرفتها بمآل مخرجاته السلبي، ولو صدرت عنها تلك الإشارة فلن تكون إلا بغرض التمويه والتضليل لإيهام الشعب الفلسطيني أن ساسته أنجزوا له في اجتماعهم شيئا . ومما يؤكد اقتناع إسرائيل بسلبية مآل المخرجات فلسطينيا أن التنسيق الأمني بينها وبين السلطة لم يتوقف، وما تسربه عن عرض السلطة العودة إليه بزعم أن الضم ألغي فهو تضليل، فالضم أجل ولم يُلغَ، والتنسيق مستمر، ولا حاجة لإعادته . ومن ينسق مع إسرائيل لا يقاومها ولو مقاومة شعبية سلمية، وهي على كل حال لا تردعها المقاومة الشعبية . والبيان ليس سوى رد فعل يائس على التطبيع المندفع بين إسرائيل وبين الدول العربية، ومن علامات هذا اليأس تأكيد عباس تمسكه بمبادرة السلام العربية التي تخلت عنها الجامعة العربية التي تبنتها، وتخلى عنها النظام السعودي الذي هو صاحبها الأصلي، ولا ينفي تخليه عنها زعم وير خارجيته فيصل الفرحان التمسك بها، وتطلعه للتطبيع القريب مع إسرائيل الذي تتكاثر شواهده يؤكد تخليه عن المبادرة . لا رجاء في أي مكسب وطني فلسطيني بالجياد القديمة التي دفعتنا إلى هذه الهاوية العميقة . ولننظر أين نحن بعد 27 عاما من أوسلو وأين إسرائيل .

 

عندما اطلع أعضاء البرلمان التركي على نصوص اتفاق سيفر بين تركيا وبين الحلفاء الذين انتصروا عليها في الحرب العالمية الأولى هالهم ما في الاتفاق من إجحاف فاحش بتركيا، فاتهموا الوفد التركي الذي وقع الاتفاق بالخيانة العظمى felony، وما من خيانة، فتركيا مهزومة، والحلفاء منتصرون، وأعدم البرلمان أعضاء الوفد والصدر الأعظم، وقاتل الجيش التركي قوات الحلفاء التي كانت تحتل أجزاء من الأرض التركية والتي وقع اتفاق سيفر في ظل احتلالها، وطرد تلك القوات، وأعادت تركيا التفاوض مع الحلفاء من موقف أفضل، فكان اتفاق لوزان الذي سينتهي في 2023، أي بعد مائة عام من توقيعه . لا نطالب بإعدام من وقعوا اتفاق أوسلو الذي تنوي إسرائيل والإمارات توقيع اتفاقهما في ذات تاريخه 13 سبتمبر الحالي في واشنطن، وكُشِف هذه الأيام أن شيمون بيريز بادر بعد اتفاقه مع الفلسطينيين في ذلك الزمان، 1993، إلى الاتصال بالإمارات للسير في ذات السبيل .

 

نقول : لا نطالب بإعدام من وقعوا اتفاق أوسلو النكبة، وإنما نبين أن الشعوب الواعية ذات الكبرياء والشعور الوطني الحي العظيم لا تسكت على التساهل أو الخطأ في ما يتصل بوطنها ومصيرها . القضية هنا قضية حياة أو موت، ومن لا يتعامل معها بصفتها هذه يُنكب بما نُكب به الفلسطينيون في اتفاق أوسلو الذي نعته بيريز بأعظم إنجاز للصهيونية بعد إقامة دولتها على الأرض الفلسطينية في 1948.

التعليقات : 0

إضافة تعليق