تـحـصـيـن الـجـبـهـة الـداخـلـيـة... جميل عبد النبي

تـحـصـيـن الـجـبـهـة الـداخـلـيـة... جميل عبد النبي
أقلام وآراء

جميل عبد النبي

هاجس تحصين وتأمين الجبهة الداخلية في حالة الأزمات بكل أنواعها، تعيشه كل الدول التي ترى في المواطن وأمنه واستقراره مهمتها الأولى، التي وجدت الحكومة أو الدولة أصلا من أجلها.

 

لا يقتصر الحديث عن حماية وتأمين الجبهة الداخلية فقط في حالات الحرب، وإنما أيضا في أي حالة يمكن للدولة أن تتعرض فيها لأي أزمة من شأنها أن تمس حياة المواطنين، وإن كان لحالات الحرب أولوية خاصة كونها حالات استثنائية، ذات مؤثرات استثنائية، يمكنها أن تمس وجود الدولة أو قدرتها على البقاء، إلا أن السعي لتأمين وحماية وتحصين الجبهة الداخلية، يبقى هو شاغل المسئولين المنتمين لشعوبهم.

 

حتى أولئك الذين لا يحركهم الانتماء، يدركون أن قدرتهم هم على الصمود مرهونة بقدرة الجبهة الداخلية على التماسك، ومن ثم القدرة على الإمداد بكل ما تحتاجه الدول والحكومات، من الطاقة البشرية واللوجستية التي تحافظ على تماسكها وقوتها، بينما لا يمكن لأي دولة مهما بدت متماسكة في ظاهرها، أن تصمد كثيرا إذا ما انهارت جبهتها الداخلية، وفقدت قدرتها على الصمود والعطاء.

 

تاريخيا التفتت الدول إلى خطورة انهيار الجبهة الداخلية على وجود الدول ذاتها، وبالطبع لا يمكن الجزم دائما بأن دوافع هذا الالتفات كانت إنسانية خالصة، بل العكس أحيانا، فلربما يمكن القول: بأن دوافع نفعية أيضا هي التي دفعت الدول للاهتمام أكثر بالجبهة الداخلية، خاصة بعد أن تبين لها أن تلك الجبهة هي التي تمدها بالحياة.

 

في أوروبا مثلا: وبعد ما عرف بحرب الثلاثين عاما، والتي قيل أن ألمانيا وحدها فقدت من سكانها ما يقارب السبعة ملايين نسمة، حيث انخفض عدد السكان من 20 مليون قبل الحرب، إلى 13 مليون بعد الحرب، هذا ناهيك عن الخسائر الأخرى التي طالت أكثر من ثلث المؤسسات والمنشآت المدنية والعسكرية، توصل الأوروبيون بعدها إلى ما عرف في حينه بصلح ويستفاليا عام 1648م، حيث اتفق ملوك أوروبا على ضرورة تحييد المدنيين والمؤسسات المدنية في أي حرب قادمة، ويمكن الزعم بان التزاما كبيرا ببنود هذا الاتفاق استمر حتى بداية الحرب العالمية الأولى، والتي استخدم فيها المدنيون كوسيلة لفرض الاستسلام على العدو، وكان ذروة ذلك ما فعلته أمريكيا في كل من ناكازاكي وهيروشيما في أواخر الحرب العالمية الثانية، لإجبار اليابان على الاستسلام.

 

في المحصلة: يبدو أن إلحاق الأذى بالمدنيين لكسر إرادة العسكريين خلال المواجهات، باتت من الوسائل التي لا مفر منها حتى مع وجود اتفاقيات دولية تنص على تجريم المساس بالمدنيين.

 

في حالتنا الفلسطينية كان المدنيون طوال الوقت محل استهداف الاعتداءات الإسرائيلية، يقول الإسرائيليون أن سبب ذلك يعود إلى انطلاق عمل فصائل المقاومة من وسط التجمعات السكانية، حيث يدعي الإسرائيليون وجود نظرية لمواجهة طويلة المدى تتبناها المقاومة في كل من لبنان وفلسطين، تسمى نظرية( بيت العنكبوت) تنص على المواجهة من وسط المدن، وتهدف إلى المساس بالمدنيين الإسرائيليين، سعيا لدفعهم نحو مغادرة البلاد، انطلاقا من تقدير تتبناه المقاومة بأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية هشة، ويمكن المساس بها، ومن ثم دفع السكان للنزوح، بخلاف جبهتنا الداخلية التي يمكنها تحمل ضغط أكثر بكثير مما يمكن للجبهة الداخلية الإسرائيلية تحمله.

 

وبرغم زعم الخبراء السياسيين الإسرائيليين بأن جبهتهم الداخلية متماسكة، ولا يمكن المساس بها بسهولة، وبأنها أثبتت خلال السبعين سنة الماضية تماسكا جيدا، ووقوفا كبيرا خلف خيارات السياسيين والعسكريين، إلا أنهم لا يتجاهلون مخاطر نظرية بيت العنكبوت، وبالتالي فإنهم يدعون إلى مواجهة هذه النظرية أولا: من خلال تحصين الجيهة الداخلية الإسرائيلية، بكل ما يمكنه التخفيف من الأضرار المتوقعة التي يمكن للمقاومة أن تلحقها بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، ويقترحون لإنجاح هذه المهمة مجموعة من الخطوات التي على الحكومة أن تقوم بها مثل: ضرورة إقناع الجمهور الإسرائيلي بأهمية ما يقوم به الجيش في أي مواجهة قادمة، والعمل على توفير بدائل للسكان في حال اضطروا لنزوح مؤقت، وتوفير كل مستلزمات الحياة الطبيعية أثناء الحرب، والعمل الفوري بعد الحرب على احتواء ما تمكنت المقاومة من إلحاق الضرر به.

 

ثانيا: وبما أن نظرية بيت العنكبوت تعتمد فيها المقاومة- حسب زعم إسرائيل- على الاختباء وسط المدنيين، واستخدام الأماكن المدنية لتوجيه ضرباتها لإسرائيل، فإن على إسرائيل أن لا تتوانى في استهداف المدنيين، بما يعرقل قدرة المقاومة على إيذاء إسرائيل.

 

ما سبق يعني أننا بدورنا مطالبون لأن نلتفت أكثر إلى ما يمكن أن تفعله إسرائيل للمساس بجبهتنا الداخلية، التي علينا أن نعترف بوضوح بأن قدرتها على الصمود ليست غير محدودة، حيث من الخطر أن نتجاهل حجم الأضرار التي لا بد وأن تؤثر على معنويات الشارع الفلسطيني، ومن ثم رغبته في دعم المقاومة، وتوفير حاضنة حقيقية ورافد حقيقي للدعم المادي والمعنوي الذي يحتاجه المقاومون.

 

إن الاعتقاد بأن قدرة جبهتنا الداخلية على الصمود غير محدودة، لمجرد انتمائها إلى قضية عادلة، لهو اعتقاد خاطئ، وسيصل بنا حتما إلى حالة من التهشم، التي سيصعب معالجتها فيما بعد.

 

كلمة أخيرة: لعلي أود أن أشير إلى وجود خلل حقيقي في الثقافة الفاعلة في حياتنا، وتحديدا في موقع الإنسان، وترتيبه في سلم أولوياتنا الثقافية، حيث أستطيع أن أزعم؛ بأن عدم وجود الإنسان على رأس أولوياتنا الثقافية، هو الذي يقلل من شأن التفكير في احتياجاته، والبحث عن كل السبل التي يمكنها أن تحول دون إيقاع الضرر به.

التعليقات : 0

إضافة تعليق