عدلي صادق
يأسف الإنسان على بلد عربي شقيق وشاسع، كالسودان، يزخر بالخبرات العلمية والمثقفين والأحزاب السياسية، والأراضي الخصبة والمياة وبعض الثروات المعدنية، أن يصل به الأمر، الى هذه الحال البائسة التي جلعت من يمسكون بمقاليد الدولة، يقبلون مناقشة خياراتهم السياسية على قاعدة أن بلدهم معوز وشعبهم جائع ويحتاج الى من يرعاه ويمده بأكلاف قوته اليومي.
مصير مُخزٍ، تسبب فيه حكام فاسدون، ليسوا أقل سوءاً من حكام تطبيعيين، سابقون ولاحقون. المقايضة تجري اليوم حسب ما نشرت "جيروزاليم بوست" أن يحصل حكام السودان مقابل التطبيع على شحنات غذائية بقيمة 1.2 مليار دولار و2 مليار دولار على شكل منح وقروض لمدة 25 سنة، والتزام الإمارات وأمريكا بتقديم مساعدات منتظمة.
السؤال المنطقي الأول هنا: هل يمكن أن يتسع اجتماعياً، وأن يمتد سياسياً في الزمن، تطبيع من هذا النوع، الذي يتأسس على جوع الجائع، لا سيما في بلد لا تختصره عباءة؟
السؤال الثاني: إذا كان تطبيع الإمارات قراراً سيادياً، يتحمل الممسكون بمقاليد السيادة تبعاته؛ فهل من طبائع الممارسات السيادية، أن يتخطى السياديون حدودهم الجغرافية، لكي يعتصروا سياسياً، بلدان أخرى متعثرة، وتعطيهم بشفاعة الوشائج الإسرائيلية والتطبيع، ما منعته عنهم من العون، هي والسعودية وسائر الخليج، بشفاعة الوشائج الأبدية، الإسلامية والعرببة؟
لقد تخطت الأمور أطوارها، وأرى أن ما يتأسس في هذا المدى، شبيه بما يجري في باطن الأرض من انزلاقات الصخور المنتجة للزلازل، إذ تتكسر الكتل الصخرية، وتنزاح تحت ضغوط مؤثرات جيولوجية، وتتوالى أنشطة البراكين، ويحدث الإنفجار.
إسرائيل ليست أي دولة، والصهيونية ليست أي مشروع. هي كدولة، ليس لها مثيل في السفالة والنزوع الى التعدي والجريمة، ولا ترى نفسها بغير عدوان. فاليهود العقلانيون أنفسهم، قرفوا من هذه الدولة. أما الصهيونية، فهي الفرخ الذي يحاكي الجلاد الذي رماه في أفران الإبادة. وإسرائيل، من بين دول العالم، لا تفارق طبائعها، لأن ثقافة الأساطير التي تنعكس في هذه الطبائع، هي تحديداً مبرر وجودها. لإن الصهيونية لا تملك تغيير ثقافتها. الأمور عندها محسومة حتى في النظر الى البشر، فهم إما يهود أو أغيار (غوييم) مذمومون محتقرون مهما فعلوا من الفضائل، ولا بأس من مجاملتهم لفظياً، لاستغفالهم واستغلالهم. ففي كل المنهجيات، تتغير السياسات وتنمو الثقافات، إلا في الصهيونية. فهل يعرف المطبّعون، والمجرورون الى التطبيع، مع أية دولة يطبعون، ومن جانب أية ثقافة ينتظرون الإحترام؟
هؤلاء لا يعرفون الجواب اليوم، لكنهم سيعرفون غداً، مثلما عرف غيرهم وأصبحوا يحرصون على التباعد، كما في تدابير الوقاية من الكورونا!


التعليقات : 0