انقسام سوداني داخلي حول التطبيع مع إسرائيل.. لمن ستكون كلمة الفصل؟.. د. حامد أبو العز

انقسام سوداني داخلي حول التطبيع مع إسرائيل.. لمن ستكون كلمة الفصل؟.. د. حامد أبو العز
أقلام وآراء

د. حامد أبو العز

يبدو بأن ارتدادات التطبيع العربي-الإسرائيلي بدأت تظهر في السودان. البلد الإفريقي الخارج لتوه من ثورة ضد دكتاتور. يعيش السودان اليوم لحظات حرجة وانقسام داخل السلطة السياسية والعسكرية المسيطرة على البلاد. فالانقسام السوداني يطفو على السطح بعد أي لقاء يعقده القادة العسكريون السودانيون مع الإسرائيليون أو إذا ما تحدثت الخارجية السودانية عن قرب التطبيع مع إسرائيل.

 

حيث التقى عبد الفتاح البرهان “رئيس المجلس السيادي السوداني”، على نحو مفاجئ برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا في فبراير/شباط الماضي، ومؤخرا أعاد الكرة مرة أخرى حيث مكث 3 ليال في عاصمة دولة الإمارات أبو ظبي؛ ليحقق بحثا عن إنجاز في ملف العلاقات السودانية الأميركية وملف حذف السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية. يتأتى الانقسام السوداني في أن السلطة العسكرية وجنرالاتها يميلون إلى التطبيع مع إسرائيل مقابل حذف اسم السودان من قائمة التطبيع. بينما يقف عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني على الضفة المقابلة، ويرفض التطبيع مع إسرائيل، بحجة أن التطبيع مع إسرائيل تتطلب نقاشاً مجتمعياً عميقاً.

 

وإن كنا نرى في موقف حمدوك الأخير هذا، تراجع خطوة إلى الوراء، من حيث أن حمدوك كان قد أعلن بأن حكومته غير مؤهلة للدخول في عملية تطبيع مع إسرائيل كونها حكومة مؤقتة، إلا أنّ هذا الموقف يحسب لحمدوك بوصفه قائداً سياسياً في البلاد. حيث يدرك حمدوك بأنّ التطبيع مع إسرائيل ستكون له عواقب بسبب الشارع السوداني العريض الرافض لعملية التطبيع مع إسرائيل، والذي يقف إلى جانب قضية عادلة وحرّة وهي قضية الشعب الفلسطيني. فالسودان لم تكن له ماكينة إعلامية تعمل لسنوات (مثلما فعلت بعض الدول الخليجية كالإمارات والبحرين والسعودية) ترّوج لهذا التطبيع بين فئات الشعب. ويدرك حمدوك كذلك بأن حكومة مؤقتة يقودها غير مؤهلة فعلا لتقرير قضية مصيرية كالتطبيع مع إسرائيل. فالحكومات الانتقالية هي حكومات مؤقتة تمهد الطريق لانتقال سلمي للسلطة وتمارس وظائفها في تسيير حوائج المجتمع دون أن يكون لها الحق باحتكار الرأي بالنسبة لقضية محورية ومصيرية.

 

لا يجب على السودانيون الأشقاء أن يقعوا في شباك الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل، بإغرائهم ببعض المكتسبات الواهية. فحذف اسم السودان من قوائم الإرهاب كان يجب أن يتم قبل عام من اليوم، وتحديداً منذ سقوط عمر البشير. وما تمارسه إدارة ترامب اليوم ما هو إلا مساومة رخيصة وربط غير منطقي بين قضيتين منفصلتين، وهما الرفع من قوائم الإرهاب مقابل التطبيع مع إسرائيل.

 

وأما عن المساعدات التي وعدت بها إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة للسودان في حال طبع السودان مع إسرائيل فهي كذبة أخرى لا غير. فكيف يمكن لهم أن يشرحوا مطالبة الولايات المتحدة السودان بدفع تعويضات لعائلات 17 بحارا أمريكيا قتلوا عندما استهدف تنظيم القاعدة سفينتهم، المدمرة “يو إس إس كول”، بميناء في اليمن عام 2000. أو تبرير قرار المحكمة العليا الأمريكية التي أصدرت حكماً يقضي بأن يدفع السودان تعويضات تأديبية لبعض من ذوي ضحايا تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في عام 1998.

 

أليس من الواجب على “البرهان” أن يتساءل عن علاقة السودان بهذه الحملات؟ ولماذا على السودان الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة أن يدفع هذه المبالغ الطائلة مقابل حذف اسمه من قوائم الإرهاب؟ أليس في ذلك ابتزاز واضح؟

 

باختصار ما تبحث عنه الأطراف الثلاثة (الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة) واضح للغاية، فالإمارات وكعادتها في تحركاتها في القارة الإفريقية تبحث عن استقرار العلاقات بين السودان وإسرائيل كهدف سياسي لها. أي بأن هناك مجموعة واسعة من الدول التي ترغب بالتطبيع وليس الإمارات وحدها من يلهث للتطبيع هذا أولا؛ وثانيا تبحث الإمارات عن عائدات الذهب والذي يزخر السودان باحتياطات هائلة منه. وأما الولايات المتحدة فهي تسعى إلى تحقيق مكاسب انتخابية للرئيس ترامب في ظل توقعات بفشله أمام المرشح الديمقراطي بايدن. وأما إسرائيل فهي تستهدف أولا أن تجعل السودان معبراً لبضائعها إلى كافة أنحاء القارة الإفريقية، وثانيا فهي تسعى لقطع الطريق على بعض الأسلحة التي تصل إلى المقاومة في غزة.

 

أخيرا، السودان الذي سطّر التاريخ بثورة سلمية يُضرب بها المثل، لا يستطيع أحد ابتزازه وحرف مسار ثورته والانخراط مع جوقة من المطبعين. ومن يفرض رأيه في هذه القضية هو الشعب السوداني العظيم الداعم لقضية الشعب الفلسطيني والمدافع عن حقوقه العادلة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق