احمد المدلل
بدأت الرحلة من مصر ولم تنتهِ في مالطا ، لأنها لا تزال مستمرة ... من حوارات فكرية طلابية في شقق مستأجرة صغيرة على أرض الكنانة إلى أقبية السجون هناك والتي غصّت بآلاف النخب الفكرية والثقافية والدينية والسياسية حينها، دارت فيها نقاشات وحوارات مع قيادات تاريخية إسلامية وعروبية وناصرية وقومية وشيوعية وليبرالية... ثم إنطلقت الفكرة محمولة برجالاتها من مصر إلى فلسطين ساحة التطبيق والممارسة... هنا محط المعركة والثورة التي حملت في ثناياها كل معتقدات وأفكار الأرض إلا الفكرة الإسلامية لم يكن لها حضور إلّا في المساجد والزوايا والتكايا وفى قلوب العجائز والكهول وشعائرهم التعبدية صلوات وصيام وأدعية وفتاوى تخص الذات وتزكيتها وتطهيرها من المعاصي، وتُركت الثورة تتجاذبها العلمانية والشيوعية والماركسية واللينينية والماوية والقومية والبعثية والناصرية ...
قبل بداية الثمانينات بسنة او سنتين بدأ شعور إسلامى يتنامى لدى بعض الشباب الذين عاشوا بيئة دينية محافظة ودارت في أذهانهم تساؤلات ذكية عن دور الإسلام في تاريخ البشرية منذ أربعة عشر قرناً ، هل دوره محصور في تطهير النفس بعيداً عن مآلات الحياة وصراعاتها وحاضر الأمة وماضيها ، وتخلفها التي تعيش ، وحضارتها التي غابت ، وتعدادها الذى يملأ آفاق الدنيا ولا تأثير لها في واقع الحياة ، ثروات ومقدرات مهدورة ، ومساحات ملء البصر ، حصادها لأعدائها الذين سيطروا على كل شيء حتى على أقدس بقاعها فلسطين قلب الجغرافيا العربية والاسلامية والتاريخ الذى امتد منذ أكثر من اربعة عشر قرناً من الزمان ومحطاته على أرض فلسطين .. بضعة ملايين من شذاذ الآفاق من العصابات اليهودية تصول وتجول وتستبيح المقدس مقابل مئات الملايين من العرب والمسلمين يغيبون عن الشهود والوجود ... أسئلة كثيرة كانت تدور في أذهان الثلة الاولى وعلى رأسها د فتحى الشقاقى رحمه الله ... وكانت كل الأجوبة تدفعهم باتجاه فلسطين ، حيث الصراع الحقيقي والحضاري والوجودي والتاريخى ...
أوهم العرب والفلسطينيون أنفسهم على مدار عقود أنه صراع مرحلى مع محتل وينتهى بعد فترة من الزمن ، هكذا زعموا ، لم يستطيعوا هزيمته لأنهم لم يدركوا حقيقة الصراع مع احتلال يحمل مزاعم توراتية بأنها أرض اسرائيل ، أرض الآباء والأجداد ، أرض الميعاد ، أرض اللبن والعسل ، ثم تنازلوا له عن ٧٨ % من ارض فلسطين وقبلوا ان تقوم دولة فلسطينية على المتبقي منها في قمة فاس عام ١٩٨١م ... وامام عدم ادراك الكثيرين طبيعة الصراع وجذوره ، ظهر حَمَلَةُ الفكرة التي أَصّلَتْ هذا الصراع وشعارهم "فلسطين هي القضية المركزية للامة العربية والاسلامية بأبعادها العقائدية والتاريخية والواقعية " ... وفى عام ١٩٨١ خرج الدكتور فتحى الشقاقى رحمه الله من السجون المصرية لينطلق بالفكرة وحامليها الى ارض فلسطين ...
نضجت الفكرة وتبلورت وجمعت كل من آمن بها من فئات ونخب الشعب الفلسطيني ومن الأسرى داخل السجون الذين كانت لديهم نفس الافكار والتوجهات ... وتأسس تنظيم الجهاد الإسلامي فى ذلك الحين على مرتكزات فكرية عنوانها الإسلام بشموليته ومنطلقها الجهاد وهدفها تحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها... وسرعان ما انتشرت فكرة الجهاد الإسلامي من خلال المساجد والمؤسسات والمدارس والجامعات والتجمعات الشبابية والمناسبات الدينية والوطنية ... حينها تشكلت الخلايا العسكرية ونُفذّت عمليات بطولية ضد الجنود والمستوطنين الصهاينة وتنوعت أدوات المواجهة مع العدو الصهيوني وفق القاعدة الشرعية" الواجب فوق الإمكان " بالحجارة والسكين والمولوتوف والبنادق على ندرتها ... شعر العدو الصهيوني بخطورة نشاطات قادة وكوادر الجهاد الإسلامي فبدأت الملاحقات والاعتقالات والاغتيالات ... ولم يؤثر كل ذلك على تقدم الحركة التي توسعت في كل ربوع فلسطين لتسجل حضورا مؤثراً في مجال العمل السياسي والعسكري والاجتماعي والثقافي ... وقدر الجهاد الإسلامي أن يختص شهر تشرين/ أكتوبر ذاكرتها في محطات مهمة وأحداث تبقى مخطوطة على صفحات تاريخها ، أهمها :
- الأول من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٨٧م: استشهاد المجاهد الكبير/ مصباح الصوري قائد مجموعة الجهاد الإسلامي في عملية الهروب المعجزة من سجن غزة المركزي ١٨/٥/١٩٨٧م وصاحب السجل الحافل بالبطولة والفداء ، كان باستطاعته الخروج من فلسطين إلا أنه أصر على البقاء وهو العاشق للشهادة ليواصل طريق الجهاد والعمل العسكري ولاحقته عيون المخابرات الصهيونية حتى وصلوا الى مكانه ، وخاضوا معه معركة على أعتاب مخيم البريج ، وأُعتقل جريحا ثم أخضعوه لتحقيق ميدانيٍّ قاسى ليكشف عن اسماء المجاهدين معه لكنه رفض وصمد حتى الشهادة ...
- في السادس من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٨٧م : معركة الشجاعية البطولية بين الجيش الصهيوني و أبطال الجهاد الإسلامي الذين شاركوا الشهيد مصباح الصوري الهروب المعجزة وواصلوا العمل العسكري معه ، واستشهد فيها المجاهدون الأبطال/ محمد الجمل وسامى الشيخ خليل واحمد حلس وزهدى قريقع، وقُتل فيها ضابط في المخابرات الصهيونية وأصيب آخرون . المعركة التي أسست لمرحلة جديدة في تاريخ الجهاد الإسلامي وتاريخ الشعب الفلسطيني الذى تفجر لديه المكنون النضالي ليشعل انتفاضة شعبية كسرت حاجز الخوف من عنجهية الجيش الصهيوني أقوى جيوش العالم الذى انتصر على كل جيوش العرب ولكنه لم يحقق انتصاراً على أطفال الحجارة في فلسطين .
- في مساء يوم الخامس والعشرين من تشرين/ أكتوبر عام ١٩٩٥ : أُستشهد د. فتحى الشقاقى الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي في مالطا على يد الموساد الصهيوني، وكان حينها عائدا من ليبيا بعد محاورة السلطات الليبية في شأن الفلسطينيين الذين طردتهم السلطات الليبية بعد توقيع منظمة التحرير على اتفاقيات أوسلو مع دولة الاحتلال.
في الرابع من تشرين/ أكتوبر عام ٢٠٠٤م : نفذت المحامية هنادي جرادات من جنين وتنتمى للجهاد الإسلامي عملية استشهادية في مطعم مكسيم في حيفا ردّاً على الجرائم البشعة التي يرتكبها العدو الصهيوني ضد أبناء شعبها ، قُتل فيها ٢١ صهيونيا وأصيب العشرات من الصهاينة ولا يزال كثير من القادة الصهاينة يذكرون العملية التي زلزلت أركان الحكومة والمجتمع الصهيوني حينها.
- في اليوم الثالث من تشرين/ أ كتوبر عام ٢٠١٥ الطالب / مهند حلبى ابن الرابطة الإسلامية في جامعة القدس ينطلق بسكينه في أزقة القدس القديمة التي يعيث فيها الجنود الصهاينة فساداً وعربدة ليقتل منهم اثنين ويصيب ثالث بجراح خطيرة قبل ان يرتقى شهيداً ، يحرك الثورة من جديد ويخط بسكينه معالم انتفاضة القدس مؤكداً عنفوان الشعب الفلسطيني وأن جيل ما بعد أوسلو لن ينسى القدس وفلسطين وها هو يحمل لواء الجهاد والمقاومة ومن ثم انطلقت العمليات البطولية في الضفة والقدس وارض ال٤٨ بالطعن بالسكاكين والبلطات والدهس والمسدسات والكلاشينات ، وصنعت هاجساً أمنياً وعسكرياً للعدو الصهيوني، لكن تم محاصرتها من أجهزة أمن السلطة ( تصريحات قادة السلطة حينها ) والمخابرات الصهيونية ...
إنه غيضٌ من فيض العطاء والعمل الدؤوب المتواصل والتضحيات التي تحتاج الى مجلدات كبيرة للحديث عنها، والرحلة لا تزال مستمرة ...


التعليقات : 0