بـنـيـان اجـتـمــاعــي,,, معروف الطيب

بـنـيـان اجـتـمــاعــي,,, معروف الطيب
أقلام وآراء

معروف الطيب

عندما تتعرض البنية الاجتماعية للاهتزاز تحدث الكارثة، فهي بمثابة زلزال، وتوابع الزلزال وارتداداته أشد خطورة بالتأكيد.. لقد حدث الانقسام بالفعل وألقى بظلاله على كل مناحي الحياة وتأثرنا به جميعاً رغم أننا لم نتورط كلنا في تداعياته وملابساته وأحداثه، إلا أننا تضررنا جميعاً فالبنية الأساسية للمجتمع قد تضررت وأصبنا في مقتل، حيث وصل الخراب لكل مفاصل الحياة وانعكس على السلوك الاجتماعي داخل كل أسرة، وتأثرت العلاقات والعادات والتقاليد ومنظومة القيم، والمعايير ومشاعر الحب والكراهية، وسلوك التعاطف والشفقة، وحتى علاقات الزواج والمصاهرة، ولا أظن أن هذه العوارض في طريقها للتعديل قريباً، بل لن نلمس تغييرات تذكر قبل مرور ردح من الزمن.. وأكثر ما يلفت النظر هو ازدياد وتيرة العنف المجتمعي وتصاعده حتى تصل الأطراف حد القطيعة، فالمحاكم تضج بالمخاصمات سواء المحاكم الشرعية، أو المدنية، بتفاصيلها من التعدي على حقوق الآخرين والذمة المالية والنصب والاحتيال والكسب غير المشروع، والطلاق وغيرها، وتكاد القطيعة بين الأقارب والجيران تكون وصمة هذا العصر، ولأتفه الأسباب، واستفحل الجفاء حتى أصبح إلقاء السلام في الشارع ينقرض، وإن ألقيته يرده الآخرون على مضض.. ضاقت الصدور ولم نعد نحتمل الآخرين حتى أولئك الذين أمرننا ديننا الحنيف أن نحسن صحبتهما ونحتملهما إلى آخر المشوار وأقصد هنا الوالدين طبعاً.

 

في الواقع لا يجوز من قبيل الهوس أن نعتبر الاحتلال شماعة نعلِّق عليها كل الأخطاء التي قد تكون في أغلبها من صنع أيدينا ، وأنا هنا لا أبرئ الاحتلال من فظائعه وأفاعيله التي طالت وتغلغلت في جميع مناحي حياتنا، ولكننا لا نلقي بالتهم جزافاً اللهم إلا إذا كنا نهوى التدليس وبيع الكلام ونحن لسنا كذلك.. علينا ـــــ ونحن نشخص الأمراض المجتمعية وغيرها ــــ أن نلتفت للظروف الذاتية والموضوعية معاً والتركيز يكون على الجانب الذاتي أولا حيث يقول عزّ وجل « إنَّ الله لا يغيُّر ما بقوم حتَّى يغيّروا ما بأنفسهم» بمعنى أن الانتقال من الفرج إلى الضيق ، وحدوث المصائب بعد رغد العيش لا يكون إلا بتغيير البنية (الخيِّرة) في نفوس الناس.

 

وفي المقلب الآخر فإن الانتقال من حالة الضيق إلى الفرج، بمعنى حدوث ازدهار في الحياة بعد الأزمات لا يتأتى إلا بحذف العناصر الشريرة من نفوسنا. أما ما يتعلق بالجانب الموضوعي فمن الإنصاف أن نعترف أن الظروف المحيطة تساعد على حدوث الفرج أو الإمعان في التيه وتعقيد الحلول. فالانقسام هو الطامة الكبرى التي تطحن الشعب كله، وهو الذي أقحم التنافر والتوجس والهستيريا في التعامل، فتضاربت المصالح، وطغت الحزبية، وضاقت النفوس في استماع النقد، وانتشرت الأثرة، وضعف الانتماء للوطن، كل هذا صنعناه بأيدينا ولكن الاحتلال (متصيد الفرص) دفع بكل طاقته لاستبقاء هذه الحالة المثالية بالنسبة له، من باب أن الجسد الهزيل لن يقوى على النهوض، فقام بتكريس الضربات التي حطمت حياة الناس أكثر وهدمت وشردت الناس أكثر وخلقت عاهات وفقر وحاجة بالإضافة للأيتام والأرامل ودخل الفلسطيني في صراع متعدد الشعب والرؤوس بينه وبين فقره وقوت عياله، ومناكفة مع إخوته، وصراع بقاء مع الاحتلال وأعوانه، وحصار خانق، ومآسي الماء والكهرباء، تحولت الحياة إلى حجيم لا يرحم، وامتلأت قلوب الناس نقمة على كل شيء، وغابت فلسطين عن الحضور وهكذا حقق العدو ــــ أو تحقق له ـــــ (وهو المطلوب).

 

لقد أصبح لمُّ الشمل مهمة تقترب من المستحيل لأن الانقسام خرج من كونه اختلافاً بين طرفين تضاربت مصالحهما، ونحتاج إلى مشروع إنقاذ وطني حقيقي عاجل للحفاظ على ما تبقى من خيرية وشطب ما علق بنا جميعاً من عار.

التعليقات : 0

إضافة تعليق