تيسير الغوطي
المتتبع لأخبار العدو الصهيوني يعجب كل العجب من قضية الفساد المرفوعة ضد سارة نتنياهو زوجة الرجل الأول في الدولة ، والتي تتهم فيها بتجاوزات مالية من الحق العام، وأخلاقية سلوكية تتمثل في إخفاء الحقيقة عن الجمهور والرأي العام، والمدقق أكثر في هذه الاتهامات يرى عجبا، فالمبالغ المالية المتهمة بها سارة نتنياهو لا تتجاوز الأربعمائة ألف شيكل (حوالي مائة ألف دولار)، والموضوع صرفها ببذخ على منزل رئيس الوزراء خاصة فيما يتعلق بالطعام والشراب، أما التهم السلوكية فتتمثل في إخفائها وجود طباخين إضافيين برواتب ، وطلبها من بعض المسئولين عدم ذكر ذلك في التقارير حتى لا يطلع عليها المحاسبون والمراقبون والمراجعون.
يصاب الإنسان ليس بالدهشة بل الفاجعة عندما يقارن بين الواقع الذي يعيشه رجل الدولة الأول في الكيان الصهيوني من حيث المحاسبة وبين واقع الحال لرجل الدولة الأول في عالمنا العربي والإسلامي تحت مسمى الملك أو رئيس الدولة أو الأمير أو القائد أو الأمين العام... إلخ من المسميات التي نجيد ونبدع في اختراعها فيما هي تحمل جوهرا واحدا هو التسلط والديكتاتورية، فالرجل الأول في دولة الكيان وكذا كل الدول التي تحترم نفسها والمتقدمة في جوهرها الاقتصادي والسياسي والعسكري ليس مطلق الصلاحيات والسياسات تبعا لأهوائه ومصالحه الخاصة، بل هناك من يراقبه ويحاسبه إن أخطأ بغض النظر عن حجم هذا الخطأ ، لقناعتهم أن الخطأ الصغير سيقود إلى ما هو أكبر منه ، وهكذا حتى الوصول لحالة الهلاك والدمار للدولة والشعب والأمة، وما ينطبق على الدولة ينطبق على الحركة والحزب والجماعة .. إلخ.
على مدار التاريخ مثلت القدوة عاملا مهما في صياغة وتشكيل العقل الإنساني ، وما يعكسه ذلك على فعل ذلك الإنسان، ونحن في فلسطين المحتلة والمنكوبة بالاحتلال وجرائمه والقيادات الفاسدة وممارساتها أشد ما نكون بحاجة إلى ذلك النموذج القدوة من القيادات التي قادت الثورات والعمل النضالي ضد الاحتلال الأجنبي والفساد المحلي وفي مقدمتهم وعلى رأسهم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، من بعده خلفاؤه الأطهار أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فممارساتهم يجب أن تمثل لنا الوقود المحرك لأفعالنا وحركتنا نحو وجه الله الكريم ، ونحو تحرير الأرض والإنسان والمقدسات.
غياب هذه القدوة في الممارسة والتطبيق عن واقع المسئولين والقيادات أفراداً أو جهات معنوية، سواء في مجال العمل والفعل والالتزام أو في مجال المحاسبة وتحقيق قواعد العدل والإنصاف والشفافية والمساواة .. الخ، من الحقوق الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام أو أكد عليها، ورتب العقاب في الدنيا والآخرة أو كلاهما على من يخترقها أو يتجاوزها، يمثل أحد الأسباب للواقع الأليم الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية عموما والشعب الفلسطيني وقضيته خصوصا.
اليوم وفي ظل فساد الذين ينسبون أنفسهم للإسلام من الحكام والمسئولين ، بل وفساد بعض الذين ينتمون للحركات الإسلامية وربما جزء من تركيبه قيادتها، فإن المقارنة بين واقع الحال في محاسبة المسؤول الأول في الدول المتقدمة ومحاسبته في عالمنا العربي والإسلامي بل وفي فلسطيننا تثير الغثيان, وتثير الألم والحزن على الشعب ومقدراته ومستقبله، وتثير الشفقة على هؤلاء المسؤولين لما ينتظرهم من خزي دائم في الدنيا والتاريخ وعقاب وعذاب يوم القيامة.
أليس مما يدعو إلى التوقف والتساؤل أن يحاسب الرجل الأول في دولة الظلم والإجرام (الكيان الصهيوني) بشخصه أو ممثلا في زوجته وبيته على مبلغ لا يتجاوز المائة ألف دولار ، في الوقت الذي يرتع فيه بعض المسؤولين في الوزارات والأحزاب والحركات في فلسطين في أموال الشعب دون حسيب أو رقيب من هيئات مستقلة تتمتع بالمصداقية والشفافية، وقبل ذلك من ضمير يخاف الله ويخشاه، ويبذرون الأموال هنا وهناك حتى أن المائة ألف دولار لا تكفي أحدهم كفروق تغير سياراتهم وجيباتهم خلال عام واحد، ناهيك عن القصور والأراضي والعقارات وأسهم الشركات والمحال التجارية والمرتبات الخيالية لوظائف وهمية لأفراد عائلته وجوقة المقربين منه, وبطانة السوء الملتفة حوله والتي تزين له أفعاله ، وتصفق له في كل وقت وحين على الصحيح والخطأ المبين.
وإذا ما خرجنا من فلسطين إلى الدول العربية والإسلامية سنجد العجب العجاب في إهدار الأموال العامة دون حسيب أو رقيب، مما يجعل أحدهم ينفق ملاين بل وعشرات الملايين من الدولارات لاستئجار سيارات وفنادق ومراكب لقضاء إجازة لا تتعدى أسبوعين أو ثلاثة !!!، فيما آخرون من الرؤساء يكدسون المليارات وليس الملايين زيادة على الإنفاق البذخ من أموال شعبه الذين يعيش الفقر والحرمان والتخلف النهضوي.
إن الرضوخ لمحاسبة الضمير أمر محمود ومطلوب ، لكن هذه المحاسبة قد لا تؤتي أكلها في كل وقت وحين, خاصة عندما يضعف الإنسان أمام النفس وشهواتها, لذا لا بد من المحاسبة عبر هيئات مستقلة تتمتع بالنزاهة والشفافية والمصداقية ، فهذا خير ضمان لحفظ مقدرات الشعب والأمة وصرفها في الوجهة الصحيحة التي تعود بالخير والفائدة والرفاهية على الجميع.
كما أن المحاسبة لا تكفي أن تتم سرا وفي الخفاء، بل لابد من أن تكون على رؤوس الأشهاد، حتى يكون عبرة لغيره، فلا يجرؤ أحد على إعادة ممارسة ما فعله ذلك المسئول الذي تتم محاسبته، وحتى تكون هناك ثقة من الشعب والجماهير بأن المحاسبة قد تمت فعلا، وأن المسؤول المخطئ قد أخذ جزاءه ودفع ثمن ما ارتكبه من مخالفات وإهدار أو سرقة للمال العام، أم الادعاء بأن المحاسبة يجب أن تكون سرية للحفاظ على هيبة وسمعة الدولة أو الحركة أو الحزب أو التنظيم ، فهو أوهى من بيت العنكبوت لأنه لا ولن يحقق الهدف والغاية من المحاسبة ، ولأنه يخالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أعلن على رؤوس الأشهاد» لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ، وكذلك فعل الصحابة الأطهار وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما حاسب عمرو بن العاص وابنه واقتص منهما للقبطي في المسجد وعلى مرأى ومسمع من جميع الحاضرين.
وأولى خطوات هذه المحاسبة الشفافة أن يبدأ كل مسئول عند توليه المسئولية بتقديم كشف حساب عما يمتلكه من ممتلكات نقدية وعينية وكذا عند ختام المسؤولية ، حتى لا يكون هناك مجال للتشكيك في ذمته ونزاهته، ويسهل تطبيق المبدأ الإسلامي الشهير «من أين لك هذا؟»، وهذا أمر معمول به في الدول المتقدمة التي تحترم ذاتها لكنه للأسف غير موجود ألبته في واقعنا العربي والإسلامي والفلسطيني.
وثاني هذه الخطوات أن يتم إعادة الحق المغتصب إلى أهله سواء كان ماديا أو معنويا، فلا يكفي أن نثبت التهمة بالأدلة وكفى، وثالث هذه الخطوات أن ينال المعتدي على الحق العام جزاءه من العقاب بشقيه المادي والمعنوي.
بهذه الخطوات وقبلها النموذج والقدوة نضمن السير على الطريق السليم في حفظ مقدرات الشعب والأمة وتوظيفها في التحرير والاستقلال والنهوض الحضاري.


التعليقات : 0