بقلم/ الدكتور: خضر عباس
ولد الشهيد هاني عابد عام 1962م، بمخيم جباليا، لأسرة فلسطينية هجرت قصرا من قرية سمسم بفلسطين المختلة عام ١٩٤٨، واستقر بها المقام في معسكر جباليا في الشمال الشرقي لقطاع غزة.. ثم تقيم عائلته بمنزل في مدينة غزة بالقرب من مسجد اليرموك-بمنطقة الغفري..
وتتكون أسرته من عشرة من الأفراد، أربعة من الأولاد الذكور كان هو أكبرهم،- وستة من الأخوات الإناث.
وتزوج في العام 1988 وأنجب أربعة من الأبناء أكبرهم يبلغ٥ سنوات، وأصغرهم عام ونصف هم (ولاء، معاذ، محمود، أفنان) وأب لجنين "قسم" التي رأت النور بعد استشهاده بحوالي أربعة شهور
وعرف عنه انه كان تلميذا متفوقاً في دراسته في كل المراحل.. وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس القطاع، ومن ثم التحق بكلية العلوم في الجامعة الإسلامية بغزة وحصل منها على بكالوريوس في عام 1984م، من كلية العلوم قسم الكيمياء.. ثم أكمل دراسته العليا في جامعة النجاح الوطنية بنابلس حيث كان متفوقاً في دراسته، وحصل منها على درجة الماجستير في الكيمياء سنة ١٩٨٨م.
وعمل الشهيد محاضرا في كلية العلوم والتكنولوجيا شرق خانيونس منذ عام ١٩٩٣ وحتى يون استشهاده.
وكان ابو معاذ يمتاز بانتمائه العميق للدين، وملتزما بتعاليم الإسلام مبكراً.. فكان دائم التعبد فيصلي في المساجد منذ نعومة أظفاره.. وعرف عن الشهيد حيث يعلن دوماً حبه للإسلام.
كما كان يعلن دوماً حبه للإسلام وفلسطين.. ونشأ ودم الثوار يسري في عروقه.. كيف لا وهو يشهد منذ صغره جنود الاحتلال يقتحمون كل لحظة من حياة الفلسطينيين.. فشاهدهم وهم يدخلون القطاع وهو مازال صغيراً في الخامسة من عمره.. وشاهدهم مرة أخرى يقتحمون بيته ويعتقلون والده في العام 1971م، ليسجن سبعة أشهر.. كل هذه الصور لم تغب يوماً عن مخيلته.. وكان يتذكر دوماً تلك الساعات الباكرة التي يخرج فيها بصحبة والدته لزيارة والده في السجون الإسرائيلية لتزيده الأيام وعياً مع الثورة.. كان يعود من الزيارة كما يعود الثائر من ميدان النصر منتصراً.. كان يحمل الحجارة ويضرب بها جنود الاحتلال الذين يبحثون عنه ويهددونه بإطلاق النار على رأسه إن فعلها مرة أخرى.. ولكنه كان يعود وكأنه يتمنى الشهادة حتى وهو صغير.
والتحق بالجامعة الإسلامية بغزة في العام 1980م وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته.. حيث تعرف هناك على نمط مغاير من الثوار.. فمن بين جميع الطلاب كانت هناك مجموعة أصغر حجماً ولكنها تميزت عن باقي التجمعات.. فاقترب منها وسمع كلاماً لم يسمعه من قبل.. فعرف من خلالها أن فلسطين والإسلام توأمان لا ينفصلان، وادرك بأن مرحلة جديدة سوف يحمل فيها أبناء الإسلام راية الدفاع عن فلسطين آتية لا محالة.
وهذه كانت بداية التحاقه مع الجهاد الإسلامي ..ثم التقي بعدها بالمعلم (فتحي الشقاقي) لينضم إلى تلك المسيرة المظفرة التي يقودها الشقاقي، والتي امتدت نحو فلسطين، وازهرت مشروع اسلامي ثوري الجهاد الاسلامي .
وقد بدأ نشاطاته الطلابية مع إخوانه الطلبة وتولى مسؤولية الجماعة الإسلامية -الإطار النقابي الطلابي للجهاد الإسلامي- حيث كان الشهيد مؤمناً بأهمية دور الطلاب في الصراع الدائر على أرض فلسطين.. وكان الشهيد هاني عابد نموذج في العمل والتواصل والالتزام كان نموذجا يحتذى في أوساط حركة الجهاد الإسلامي وجميع من عرف هاني عابد، ولهذا كان التقدير والاحترام الذي حظي به كبيرا انعكس في الحب الذي يكنه إليه الجميع ممن عرفوه.
وشارك في تأسيس صحيفة الاستقلال، وتولى إدارتها العامة، ليتواصل مع رحلة الوعي والثورة التي بدأها.
المسئولين الهامين فيها حيث تنقل في عدة مواقع قيادية، حتى يوم استشهاده.
وقد كان الشهيد (أبو معاذ) مؤسسا وعضوا قياديا بارزا في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأحد المسئولين الهامين فيها، حيث تنقل –قبل استشهاده- في عدة مواقع ومناصب سياسية قيادية كان أخرها مسئول الملف السياسي والإعلامي في كل قطاع غزة، وكان مقربا جدا من قيادة التنظيم السياسية والأمنية والعسكرية، والتي توطدت من خلال انعقاد الجلسات الخاصة للتنظيم في بيته.
وكانت محطته الأولى في الاعتقال سنة 1991م، على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بتهمة إيواء أحد أقربائه وليحكم عليه بستة أشهر ويرحل إلى معتقل النقب الصحراوي.. وليخرج من القيد ليواصل رحلة عطائه الدائم لهذه الأرض الطيبة.
وبسبب نشاطه المتزايد ولهذا العنفوان الجهادي جعل العدو الصهيوني يختار هاني عابد كهدف اعتقد أنه مكمن الخطورة، ومصدر انقضاض الجهاد وتكاثر عملياته، فقامت المخابرات الإسرائيلية، وقوات الاحتلال -قبل عملية إعادة الانتشار للقوات الإسرائيلية في القطاع بأسبوع واحد- قامت قوات الاحتلال الصهيوني (الجيش والقوات الخاصة) في30-4-1994 محاصرة ومداهمة منزله في حي الغفري بغزة، من أجل اعتقاله، ولكنه لم يتواجد فيه.. فقامت بتفتيش المنزل وتصويره كاملا.. لكن أبو معاذ كان حريصاً على عدم الوقوع في أيديهم مرة أخرى، حيث كان يخرج ويختفي بعيداً عن عيونهم.. ومنذ ذلك التاريخ أصبح مطلوبا لقوات الاحتلال.. ولهذا طورد، ثم اعتقل لدى السلطة الفلسطينية بناء على طلب صهيوني ليكون أول سجين يدخل معتقلاتها وبعد خروجه كان العدو يرقب خطواته إلى أن تمكن عبر عملائه من تفخيخ سيارته وتفجيرها في خانيونس.
وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على ارض قطاع غزة عام1994م..قامت السلطة باعتقاله بتاريخ 24-5-1994 وذلك في أعقاب قيام أعضاء الجناح العسكري للجهاد الإسلامي بتنفيذ عملية عسكرية شمالي قطاع غزة قتل خلالها ثلاثة من الجنود الصهاينة.. حيث قام الكيان الصهيوني باتهام الشهيد بالمسؤولية عن العملية والتخطيط لها، وليتعرض بعدها لمحنة القيد على أيدي السلطة الفلسطينية وليكون أول معتقل سياسي لهذه السلطة.. ولكن هذا الامر أدى إلى اندلاع احتجاجات عنيفة في القطاع، والى ردود فعل غاضبة، اضطرت السلطة إلى الإفراج عنه بتاريخ 10-6-1994م.
واغتيل ابو معاذ على أيدي الموساد الصهيوني وعملائه في الساعة الثالثة إلا خمس دقائق من عصر يوم الأربعاء ٢ تشرين ثاني ١٩٩٤م بتفجير سيارته أثناء صعوده فيها -الواقفة في الساحة المجاورة لكلية العلوم والتكنولوجيا، حيث يعمل محاضراً هناك، ويمضي اغلب يومه يعلم تلامذته الكيمياء- حيث ما أن أدار مقود سيارته حتى انفجرت به وأصيب بإصابات خطيرة نقل لمستشفى ناصر بمدينة خان يونس ليقلى الله شهيداً.. وبشيوع نبأ استشهاده تحول قطاع غزة لعواصف ورياح وكأنما السماء تعلن غضبها من هذه الجريمة البشعة.
وعلى الارض تحول استشهاده لعرس كبير خرجت فيه غزة بأكملها تودعه في حزن كبير، وتمتد المسيرة من بيته في غزة حتى مقبرة الشهداء شرق الشجاعية سار فيه أحباؤه وأصدقاؤه على أرجلهم عدة كيلو مترات سيراً على الأقدام، رغم شدة الأمطار التي هطلت في ذلك اليوم.. وهناك ووري جسده الطاهر ثرى فلسطين. وهكذا رحل هاني نحو وعد الله.
وفي حركة الجهاد الإسلامي لم يتأخر الرد كثيراً.. فمع حفل التأبين الذي أقيم للشهيد بعد أيام قليلة في يوم تأبينه الاثنين ١٩٩٤/١١/ ١٠ انطلق أحد تلامذته الاستشهادي (هشام حمد) في عملية استشهادية بدراجته الهوائية على مفترق الشهداء-نتساريم ليفجر نفسه ويقتل أربعة ضباط من قوات الاحتلال، ويصيب آخرين، انتقاماً لدم هاني، ولتعلن الحركة أن هذه العملية هي حلقة من حلقات الانتقام للشهيد.. وبهذه الروح استمر الانقضاض على العدو وكان إجابة الجهاد الإسلامي على اغتيال الشهيد لتأكد مواصلة الطريق نحو الجهاد.
باشتعاله غير المتوقف تحول الشهيد هاني عابد إلى كتلة من الحركة الدائمة في كل لحظات حياته حتى أصبحت ساعات اليوم ال ٢٤ غير كافية ليقوم بجميع لقاءاته وأعماله الحركية حتى قال أحد المقربين منه " لو كان اليوم عند أبو معاذ ٤٨ ساعة لما كانت كافية "، في الحركة والخفة والتواصل والالتزام كان نموذجا يحتذى في أوساط حركة الجهاد الإسلامي وجميع من عرف هاني عابد، ولهذا كان التقدير والاحترام الذي حظي به كبيرا انعكس في الحب الذي يكنه إليه الجميع حتى الآن
تبدو كل الكلمات أضعف من أن ترسم ملامح الشهيد القائد هاني عابد الذي غادر في مرحلة كانت حركة الجهاد الإسلامي من خلال عمله الدؤوب وحركته المستمرة تعيش عنفوانا في أنشطتها المختلفة في ظل روح العطاء الكبير الذي مثلته حياته في إعادة لعطاء الجيل المؤسس في حركة الجهاد الإسلامي إذ أن صلته شبه اليومية مع الشهيد المعلم فتحي الشقاقي الذي لحقه إلى الشهادة بعد عام لعبت دورا هاما في الروح الإيمانية والعطاء الكبير الذي ميز هاني عابد.
اعتقد الكيان الصهيوني باغتياله هاني عابد أن طريق المقاومة والجهاد ستتوقف وسيضرب قدرة حركة الجهاد الإسلامي مواصلة عملياتها دون أن يدرك أن الأيديولوجية التي انطلقت بها جذوة الجهاد في بداية الثمانينات قادرة على إنجاب القادة والكوادر الاستشهاديين والاندفاع نحو خيار المقاومة والجهاد بصلابة وإرادة أقوى.
إن دم هاني عابد كان يبشر بالحقيقة التي يكتشفها الفلسطينيون اليوم فقد كان خيار المقاومة والجهاد نهجه الدائم عمل عليه في جميع أوقاته ومواقفه التنظيمية، ولم تحرفه كل المغريات، فبقى قابضا على الحجر متمسكا بخياره وعقيدته مطاردا في شهور حياته الأخيرة من قبل استخبارات الكيان الصهيوني الذي كان يؤرقه في حينه هجوم الجهاد الإسلامي المكثف ممثلا في ذراعه العسكري القوى الإسلامية المجاهدة- قسم في جميع أنحاء فلسطين.
وفي عرس جديد من أعراس الشهادة تلتقون، على حب الشهيد وعلى دربه تجتمعون، لتؤكدوا أن الشهيد لا يذهب إلى الموت، بل يذهب إلى الاشتباك المستمر، لا ينهي الانفجارُ أو الرصاصةُ دورَهُ في المقاومة. كل ما يحدث أن الروح القلقة الخوافة تتحرر من القلق والخوف، ومن أي شيء وعلى أي شيء، وتبدأ في نقر الأرواح الميتة والنائمة والمتقاعسة لتوقظها وتحررها وتطلقها لتصطف في المعركة.. الشهداء يُعيدون تشكيل الحياة بزخم اكبر وبإبداع أعظم لتبقى الشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة، فلا حياة ولا تاريخ لنا بدون الشهداء، لا ماضي ولا مجد ولا عبرة، هم الذين يصنعون لنا المستقبل وليس المرجفون أو المعاهدون على الصمت والنكوص.
الشهيد القائد هاني عابد كان بدمه الزكي يرمز إلى المرحلة وشكلها القادم، فهو امتشق خيار المقاومة وأصر على حمل أعبائه رغم أن كل ما حوله كان يحتفي بوهم التسوية والسلام مع الكيان الصهيوني، وكان من الطبيعي من دم الشهيد القائد هاني عابد أن تنفجر ثورة الفلسطينيين مجددا في وجه المحتل، وتشهد أن دمه كان أول الدماء في مواجهة حقائق الصراع مع الكيان الصهيوني، فما يريده ليس سوى اغتصاب مزيد من الأرض الفلسطينية وفرض الأمر الواقع عليها بالاستيطان مع التخلص من اكبر عدد من سكان فلسطين.
دم الشهيد هاني عابد مثل شعلة من الحركة الدائبة نحو ترسيخ مفاهيم ومعالم الصراع والمعركة مع الكيان الصهيوني في كل مواقع مسؤوليته في حركة الجهاد الإسلامي من الجماعة الإسلامية وليس انتهاء بالمسئولية عن التنظيم السياسي لحركة الجهاد في قطاع غزة.
ان هاني عابد كان يبشر بالحقيقة التي يكتشفها الفلسطينيون اليوم فكان خيار المقاومة والجهاد نهجه الدائم عمل عليه في جميع أوقاته ومواقفه التنظيمية، ولم تحرفه كل المغريات في حينه وأوهام انطلت على البعض، فبقى قابضا على الحجر متمسكا بخياره وعقيدته مطاردا في شهور حياته الأخيرة من قبل استخبارات الكيان الصهيوني الذي كان يؤرقه في حينه هجوم الجهاد الإسلامي المكثف ممثلا في ذراعه العسكري قسم " القوى الإسلامية المجاهدة "في جميع أنحاء فلسطين.


التعليقات : 0