عبد الله الشاعر
هل قدر الشعوب المقهورة أن تظلّ واقفةً على ناصية البؤس، تستأنس بالخوازيق، وتُقنع نفسها بفضائل الذلّ والمهانة؟
خلال الانتخابات الأمريكيّة الأخيرة، وما سبقها من حملات ترويجيّة، وقلوبُ كثير من العرب معلّقة بما ستؤول إليه نتائجها، بل ذهب كثيرٌ منهم إلى مزيدٍ من الانهيار، فأخذوا يفاضلون بين ترامب وبايدن، ويجلدون ضمائر المقهورين، عبر تلك المفاضلة البذيئة!
أليس محزنًا حدّ الفجيعة أن يفاضل الضحيّة بين طاغية وطاغية، وبين جلّادٍ وآخر؟ أم إنّ المقهورين قد استأنسوا بالخوازيق، ولم يعدْ لهم من طموحٍ سوى تحسين ظروف العبودية؟
يُخيّل لمن يسمع بعض نقاشات المهزومين، أنّ السباق على البيت الأبيض يتمّ بين مارتن لوثر كينج وأحد الإقطاعيين الطغاة، بل تصل السذاجة في بعض المتحاورين، إلى رفع وتيرة الذلّ فيغدو النقاش كأنّه مفاضلة بين المهدي المنتظر والأعور الدجّال، أو بين دعاة الحريّة ودعاة الإقطاع والعبوديّة!
من أين يأتي هؤلاء المنهزمون بكلّ هذه الدونيّة، والارتداد إلى أرذل الحوارات؟ وهل طال عليهم أمد الذلّ فشاخت طموحاتهم، وتبخّرت أحلامهم، وغدا أفضل ما يتمنَّوْن سيّدًا يمارس عليهم طقوس الاستعباد، فيُقبلون عليه باسمين!
لم تكن أمريكا في يومٍ من الأيام إلا مركز الشرّ الكونيّ، ولم يكن رؤساؤها إلّا رأس حربة النظام في تنفيذ سياسات القهر والإذلال للشعوب، وتوزيع الموت عليهم بالمجّان...ففي كلّ بقعة من بقاع الأرض لهم قدمَ ظُلمٍ وجريمة، وفي كلّ ساحٍ لهم بصماتٍ من دمٍ وعذاب، فأيّ ذلٍّ هذا الذي أصاب بعض الشعوب، فاندفعت بكلّ عاطفتها، لتفاضل بين سفّاحٍ وعتلٍّ زنيم؟!
لقد أثبت الشعب الأمريكي، وعبر صناديق الاقتراع، أنّه في غالبيته شعبٌ متوحّش ولئيم، فهو الذي أوصل كلّ القتلة إلى سدّة الحُكم، وهو الذي أمدّ مشاريعهم الدمويّة في العالم بالمال وبالبنين، وهو الذي يمنح صوته للقتلة والمجرمين.
ولطالما سألت نفسي والأصدقاء: أيّ شعبٍ هذا الذي ينتخب رئيسًا أهوج كترامب، لولا أّنه متناغمٌ معه، ومتماهٍ في جنونه، والمتابع للأخبار المتداولة، وللتسريبات الصحفيّة، والمتعلّقة باندفاع الأمريكيّين نحو شراء الأسلحة، يدرك كم هو مجرمٌ هذا الشعب، وكم هي العنجهيّة متغلغلةً في تفكيره ونفسيّته، لهذا فإنّ الرهان على وعي الناخب الأمريكي هو رهان خاسر، كما أنّ الرهان على نتائج تلك الانتخابات يمكن لها أن تكون لصالح الإنسانيّة في يومٍ من الأيام، هو رهانٌ غبيٌّ، لا يستند لأيّ دليلٍ، أو حتى لشبهة دليل، ما يجعل الانفعال مع تلك الانتخابات، والحماس الذي تبديه بعض الشعوب المقهورة، لا يخرج عن دائرة العبوديّة التي تبحث عن سيّدٍ يمارس عليها طقوس الإذلال والاضطهاد والجريمة!
أيًّا كانت نتائج الانتخابات الأمريكيّة، فلن تفرز الصناديق إلّا سفّاحًا جديدًا، سيكون همّه الأوّل حماية إسرائيل، ومساعدتها في ابتلاع الوطن العربي، والقضاء على تطلّعات الأمّة بالحريّة والكرامة... وأيًّا كان الرئيس، فإنّ أولى أولويّاته أن يُلقي بشعوب المنطقة في صحراء الضياع، وقد وضع على صدورهم صخرة كبيرة اسمها إسرائيل، تكبت أنفاسه، وتغتال طموحاته وأمانيه، وتصادر كلّ خيراته وأحلامه.
لأجل هذا وغيره كثير، تُصبح تلك المفاضلة التي يجريها بعض الأعراب بين بايدن وترامب، مفاضلة دنيئة، وجرعةً زائدةً من الاستحمار والعبوديّة.


التعليقات : 0